حين يبيع المسؤول ضميره.. الرشوة ليست سقوط فرد بل إنذار لوطن

أحمد بدوي : يكتب

لم يعد خبر القبض على مسؤول تنفيذي في اتهامات تتعلق بالرشوة مجرد خبر عابر تتناقله وسائل الإعلام، أو صفحات التواصل الاجتماعي، فالمتهم بريء حتي تثبت إدانته، بل أصبح جرس إنذار يدق بعنف في وجه كل من يتولى مسؤولية عامة. فالمنصب الذي أُقيم لخدمة الناس لا يجوز أن يتحول إلى بوابة للثراء الحرام أو وسيلة لابتزاز المواطنين. وإذا كانت التحقيقات هي الفيصل في إثبات المسؤولية الجنائية، فإن مجرد تكرار مثل هذه الوقائع يفرض علينا وقفة صادقة مع أنفسنا، نسأل فيها، لماذا يتسلل الفساد إلى بعض المواقع التنفيذية؟ وأين الخلل؟ وكيف نغلق أبوابه؟

أتذكر جيدا بداياتي في العمل الصحفي عندما أعددت تحقيقًا بعنوان “الرشوة… شرخ في جدار الأحياء”، واستطلعت خلاله آراء أساتذة كلية الهندسة بجامعة عين شمس، ورؤساء أحياء الوايلي والهرم والعجوزة، وعلماء من الأزهر الشريف. وعدد من المواطنين وأصحاب العقارات ،يومها أجمع الجميع على حقيقة واحدة، أن الرشوة ليست مجرد مخالفة قانونية، بل انهيار أخلاقي يبدأ من داخل النفس قبل أن يظهر في درج مكتب أو حقيبة أموال.
إن أخطر ما في الرشوة أنها لا تسرق المال العام فقط، بل تسرق العدالة، وتغتال تكافؤ الفرص، وتحطم ثقة المواطن في مؤسسات الدولة. فحين يشعر المواطن أن الخدمة تُمنح لمن يدفع، وأن الحق يُباع ويُشترى، فإن الإيمان بقيمة القانون يتآكل، وتصبح النزاهة استثناءً بدلًا من أن تكون القاعدة.
لقد أصبحت ثقافة “الهدية” و”الإكرامية” عند البعض ستارًا يخفون خلفه جريمة مكتملة الأركان، رغم أن الشرع حسم الأمر منذ قرون، حين لعن النبي صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي، وأكد الخلفاء الراشدون أن ما يُهدى إلى المسؤول بسبب منصبه ليس هدية، بل باب من أبواب السحت واستغلال النفوذ.
إن المسؤول الذي يمد يده إلى المال الحرام لا يخون وظيفته فقط، بل يخون قسمه، ويخون ثقة الدولة، ويخون المواطن البسيط الذي ينتظر عدلًا لا وساطة، وحقًا لا يُشترى. فالمناصب لا تمنح أصحابها امتيازات، وإنما تضاعف مسؤولياتهم أمام الله والوطن والتاريخ.
ولا يجوز أن نكتفي كل مرة بالقبض على المتورطين ثم ننتظر القضية التالية. فالعلاج الحقيقي يبدأ من المنبع، لا من المصب. نحتاج إلى ثورة إدارية وأخلاقية حقيقية، تبدأ بوضع معايير صارمة لاختيار القيادات التنفيذية، يكون أساسها النزاهة والكفاءة والسيرة المشرفة، لا المحسوبية ولا دوائر النفوذ ولا “أهل الثقة” على حساب “أهل الخبرة”.
كما أن الرقابة لا ينبغي أن تكون موسمية أو رد فعل، بل نظامًا دائمًا يعتمد على المتابعة المستمرة، والحوكمة، والتحول الرقمي، والشفافية، وإلزام القيادات بإقرارات ذمة مالية دقيقة، والتقييم الدوري للأداء، مع حماية كل من يبلغ عن الفساد.
ولا يقل دور التعليم والإعلام والمؤسسات الدينية أهمية عن دور الأجهزة الرقابية، فبناء الضمير هو خط الدفاع الأول. فكلما ترسخت قيم الأمانة والصدق في النفوس، ضاقت المساحة التي يتحرك فيها الفساد.
والحقيقة التي لا تقبل الجدل أن الدولة لن تنتصر في معركة التنمية إذا لم تنتصر أولًا في معركة النزاهة. فالاستثمار لا يزدهر في بيئة فاسدة، والمواطن لا يثق في مؤسسة تهتز صورتها بسبب مسؤول باع ضميره، والمجتمع لا ينهض إلا عندما يكون القانون سيد الجميع، بلا استثناء ولا حصانة.
ويبقى الدرس الأهم إن الكرسي لا يصنع الرجال، وإنما الرجال هم من يمنحون الكرسي قيمته. والمناصب زائلة، أما السمعة فباقية، والتاريخ لا يخلد أصحاب النفوذ، بل يخلد أصحاب الضمائر الحية. وسيظل كل مسؤول أمام خيارين لا ثالث لهما أن يغادر منصبه مرفوع الرأس بما قدمه من خدمة لوطنه، أو أن يغادره مطأطئ الرأس بعدما خان الأمانة، تاركًا للقضاء كلمة الفصل، وللتاريخ حكمه الذي لا يسقط بالتقادم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *