إعادة التفكير في منظومة البحث العلمي البالية لم تعد اختيارًا… بل حتمية واجبة النفاذ

بقلم: الأستاذ الدكتور عيد عبدالواحد 
خبير تربوى وأستاذبجامعة المنيا ورئيس الجهاز التنفيذي لتعليم الكبار بمصر سابقًا

الصين تصنع «شمسًا» على الأرض… والعالم يعيد تعريف القوة، في الوقت الذي ينشغل فيه العالم بتسارع الذكاء الاصطناعي، والروبوتات، والحوسبة الكمية، وتكنولوجيا الفضاء، تتحرك الصين في اتجاه أكثر عمقًا؛ اتجاه لا يستهدف تطوير منتج جديد فحسب، وإنما محاولة إعادة صياغة مستقبل الطاقة ذاته.

إنها تجربة «الشمس الصناعية» الصينية، حيث يحاول العلماء محاكاة عملية الاندماج النووي التي تمد الشمس والنجوم بالطاقة.

وفي يناير 2025، أعلن العلماء الصينيون أن جهاز EAST حقق تشغيلًا للبلازما عالية الحبس لمدة 1066 ثانية، في إنجاز بحثي مهم ضمن الطريق الطويل نحو تطوير طاقة الاندماج النووي.

وقد يبدو الرقم مجرد رقم في سجل علمي، لكنه في الحقيقة يحمل رسالة تتجاوز الفيزياء:

المستقبل لا تملكه الدول التي تستهلك التكنولوجيا فقط، وإنما الدول التي تنتج المعرفة التي تقوم عليها التكنولوجيا.

من امتلاك الموارد إلى امتلاك العقول

لقد تغير مفهوم القوة في القرن الحادي والعشرين.

ففي الماضي كانت الثروة تقاس بما تمتلكه الدولة من أرض ومياه ومعادن ونفط وغاز.

أما اليوم، فأصبحت هناك ثروات أخرى أكثر تأثيرًا: البيانات، والبرمجيات، والبراءات، والمختبرات، والجامعات، ومراكز البحث، والأهم من ذلك كله… العقول.

ومن هنا فإن مشروع «الشمس الصناعية» الصينية لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مشروعًا للطاقة فقط.

إنه نموذج لطريقة تفكير دولة قررت أن تستثمر في المعرفة التي ستصنع بها التكنولوجيا القادمة.

1066 ثانية… لكنها سنوات من المعرفة

الحفاظ على بلازما شديدة الحرارة داخل جهاز اندماج نووي ليس مسألة بسيطة.

فالبلازما يجب أن تظل مستقرة ومحبوسة بواسطة مجالات مغناطيسية، بينما تعمل فرق متعددة من العلماء والمهندسين على تطوير المواد والمغناطيسات وأنظمة التحكم والتشخيص.

ولهذا فإن الرقم القياسي الذي حققه EAST هو نتيجة تراكم طويل من:

البحث الأساسي + الهندسة + التمويل + البنية التحتية + الكفاءات البشرية + العمل المؤسسي طويل المدى.

وهذه هي النقطة التي ينبغي أن نتعلم منها.

الإنجاز العلمي الكبير لا يولد في يوم إعلان النتيجة؛ بل يولد قبل ذلك بسنوات داخل منظومة تعرف كيف تنتج المعرفة وتحولها إلى ابتكار.

المشكلة ليست في الباحث… بل في المنظومة

حين نتحدث عن البحث العلمي في عالمنا العربي، كثيرًا ما ينصرف النقاش إلى الباحث نفسه:

كم نشر من بحث؟

كم حصل على ترقية؟

ما عدد الأبحاث المنشورة؟

لكن السؤال الأكثر أهمية هو:

ما المشكلة الحقيقية التي يحاول هذا البحث حلها؟

وهل توجد منظومة تستطيع تحويل نتائج البحث إلى:

اختراع؟

منتج؟

سياسة عامة؟

شركة ناشئة؟

تكنولوجيا وطنية؟

حل لمشكلة اجتماعية أو اقتصادية؟

إذا ظل البحث العلمي منفصلًا عن احتياجات المجتمع والاقتصاد والدولة، فإننا نخاطر بتحويل البحث من قوة لتغيير الواقع إلى مجرد نشاط أكاديمي لإكمال ملف وظيفي أو الحصول على ترقية.

وهنا يصبح المطلوب ليس جلد الباحث، وإنما إعادة التفكير في النظام الذي يعمل داخله الباحث.

من «النشر من أجل النشر» إلى «المعرفة من أجل التغيير»

لا يمكن أن يكون معيار النجاح الوحيد للبحث العلمي هو عدد الأوراق المنشورة.

النشر العلمي مهم، بل هو أحد أعمدة العلم، لكن قيمته تتضاعف عندما يرتبط بمشكلة حقيقية وبمسار واضح من المعرفة إلى التطبيق.

نحن بحاجة إلى الانتقال من السؤال:

«كم بحثًا نشرنا؟»

إلى أسئلة أكثر عمقًا:

ماذا اكتشفنا؟

ما المشكلة التي حللناها؟

ماذا تغير بسبب هذا البحث؟

هل أنتجنا معرفة يمكن البناء عليها؟

هل تحول البحث إلى ابتكار؟

وهل وصل الابتكار إلى المجتمع؟

هذه ليست رفاهية أكاديمية، وإنما أصبحت ضرورة في عصر تتغير فيه التكنولوجيا بسرعة غير مسبوقة.

البحث العلمي في عصر الذكاء الاصطناعي

يزداد الأمر إلحاحًا مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى كل مجالات المعرفة.

فالذكاء الاصطناعي يستطيع اليوم تحليل كميات ضخمة من البيانات، والمساعدة في اكتشاف الأنماط، ومحاكاة النظم، وتسريع بعض مراحل البحث العلمي.

لكن التكنولوجيا لا تلغي الباحث.

بل ترفع سقف المطلوب منه.

فالمستقبل لن يحتاج فقط إلى شخص يعرف كيف يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي، وإنما إلى باحث قادر على طرح السؤال الصحيح، وتقييم النتائج، واكتشاف الأخطاء، وصياغة الفرضيات الجديدة.

وهنا تظهر أهمية بناء منظومة تعليمية تبدأ من الطفولة.

فالطفل الذي يتعلم الحفظ فقط قد ينجح في الامتحان، لكنه قد لا يكون بالضرورة قادرًا على إنتاج المعرفة.

أما الطفل الذي يتعلم:

السؤال، والبحث، والتجريب، والنقد، والتحليل، وحل المشكلات، والعمل الجماعي

فهو الذي يمكن أن يصبح بعد سنوات عالمًا أو مبتكرًا أو مهندسًا يصنع المستقبل.

منظومة البحث العلمي تحتاج إلى «إعادة هندسة»

إن إعادة التفكير في منظومة البحث العلمي لم تعد اختيارًا.

إنها حتمية واجبة النفاذ.

نحتاج إلى إعادة النظر في العلاقة بين:

الجامعة ← مركز البحث ← الصناعة ← الدولة ← المجتمع.

نحتاج إلى تمويل أكثر ارتباطًا بالأولويات الوطنية، وإلى تشجيع البحوث البينية التي تجمع أكثر من تخصص، وإلى دعم الباحث الشاب، وإلى بناء مختبرات حقيقية، وإلى إتاحة البيانات، وإلى ربط البحث العلمي بالصناعة.

كما نحتاج إلى مساحة أكبر للباحث كي يغامر فكريًا ويجرب ويخطئ ويتعلم.

فالعلم لا يتقدم دائمًا عبر الطرق الآمنة.

وكثير من الاكتشافات الكبرى بدأت بسؤال بدا في وقته غير مألوف.

والموهبة لا تعرف عنوانًا جغرافيًا

وهنا تبرز قضية أخرى لا تقل أهمية:

أين نبحث عن العلماء القادمين؟

هل نبحث فقط في المؤسسات الكبرى والمدن الكبرى؟

أم نبحث في كل مدرسة وكل قرية وكل محافظة؟

قد تكون هناك موهبة علمية في قرية بالصعيد، لكنها لا تمتلك معملًا.

وقد يكون هناك طالب لديه شغف بالفيزياء، لكنه لم يرَ مختبرًا متطورًا في حياته.

وقد تكون هناك طالبة تمتلك قدرة استثنائية في البرمجة، لكنها لا تجد من يكتشفها.

إن العدالة في توزيع فرص اكتشاف الموهبة ليست قضية اجتماعية فقط؛ إنها قضية علمية وأمن قومي وتنموي.

فالدولة التي تفشل في اكتشاف موهبة واحدة قد تفقد عالمًا كان يمكن أن يغير مجالًا كاملًا.

الصين لم تبدأ من «الشمس»… بل بدأت من الإنسان

وهذه هي الخلاصة الأهم.

فالأجهزة العملاقة لا تعمل وحدها.

المعامل لا تفكر.

المغناطيسات لا تضع الفرضيات.

الآلة لا تكتشف السؤال العلمي.

الإنسان هو نقطة البداية.

ولهذا فإن الاستثمار الحقيقي ليس فقط في شراء الأجهزة، وإنما في الإنسان الذي يعرف كيف يستخدمها، ويطورها، ويصنع ما هو أفضل منها.

وإذا أردنا أن ننافس في عالم المعرفة، فعلينا أن ننتقل من ثقافة:

«امتلاك التكنولوجيا»

إلى ثقافة:

«امتلاك القدرة على إنتاج التكنولوجيا».

والفارق بين الاثنين هو الفارق بين دولة مستهلكة للمعرفة ودولة مشاركة في صناعة المستقبل.

المستقبل لمن يمتلك المعرفة

قد تنضب آبار النفط.

وقد تتغير أسعار المعادن.

وقد تتبدل موازين الأسواق.

لكن المعرفة التي تتحول إلى قدرة بشرية ومؤسسية تستطيع أن تولد ثروة جديدة كل يوم.

ولهذا فإن «الشمس الصناعية» الصينية ليست مجرد قصة عن الاندماج النووي.

إنها قصة عن أمة قررت أن تستثمر في المستقبل قبل أن يصل المستقبل.

والدرس لنا واضح:

لا يكفي أن نشتري التكنولوجيا… علينا أن نمتلك المعرفة التي تصنعها.

ولا يكفي أن ننتج خريجين… علينا أن ننتج باحثين ومبتكرين.

ولا يكفي أن نطلب من الباحث أن ينشر… علينا أن نبني منظومة تجعل المعرفة قادرة على تغيير الواقع
وأخيرًا…

إن العالم لا ينتظر أحدًا.

ومن يكتفِ باستهلاك ما ينتجه الآخرون سيظل دائمًا خطوة خلفهم.

أما من يملك المعرفة، ويستثمر في الإنسان، ويعيد بناء منظومته التعليمية والبحثية، ويمنح الباحث الحرية والأدوات والفرصة، فإنه لا ينتظر المستقبل…

بل يشارك في صناعته.

ومن هنا فإن إعادة التفكير في منظومة البحث العلمي ليست ترفًا إداريًا، ولا مجرد تحديث لبعض اللوائح والإجراءات.

إنها قضية مستقبل وطن.

ففي عصر «الشمس الصناعية» والذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية والاقتصاد المعرفي، لم يعد السؤال:

ماذا نملك من موارد؟

بل أصبح السؤال الأكثر أهمية:

ماذا نعرف؟

وماذا نستطيع أن نكتشف؟

وماذا نستطيع أن نصنع بهذه المعرفة؟

المستقبل… لمن يمتلك المعرفة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *