بقلم: الدكتور عيد عبد الواحد
عميد كليتي التربية والتربية للطفولة بجامعة المنيا سابقًا،
ورئيس الجهاز التنفيذي لتعليم الكبار بمصر سابقًا، ومدير الأكاديمية المهنية للمعلمين بمصر سابقًا، وخبير ومستشار تربوي لعدد من المؤسسات والجهات الدولية
ليست قيمة القيادة في أن تمتلك سلطة القرار فحسب، وإنما في أن تمتلك شجاعة مراجعة الأداء، والقدرة على إصلاح المؤسسات، والجرأة على مواجهة الخلل حتى عندما يكون الخلل داخل منظومة اعتادت أن ترى نفسها فوق النقد.
ومن هنا، فإن حديث الرئيس عبدالفتاح السيسي عن خطورة الاستعلاء بالمناصب والوظائف، أو بالتدين، أو بالشعور بالاستقامة، لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره توجيهًا أخلاقيًا عابرًا، وإنما باعتباره رسالة أوسع تتصل بطبيعة الدولة التي نريد بناءها، وبالعلاقة التي ينبغي أن تقوم بين المسؤول والمواطن.
الإصلاح يبدأ من القمة
حين يضع رئيس الدولة قضية السلوك الإداري والأخلاقي للمسؤولين ضمن دائرة اهتمامه، فإن الرسالة الأهم التي تصل إلى مؤسسات الدولة هي أن الإصلاح المؤسسي لا يعني تغيير اللوائح والهياكل فقط، وإنما يعني أيضًا تغيير الثقافة التي تحكم ممارسة السلطة.
فالمنصب ليس امتيازًا اجتماعيًا، والوظيفة العامة ليست بابًا للاستعلاء، والسلطة ليست تصريحًا بإهانة الناس أو تجاهلهم، بل كلما ارتفع موقع الإنسان في سلم المسؤولية، ازدادت مسؤوليته عن احترام من هم حوله، وهنا تظهر أهمية القدوة.
فالمؤسسة التي ترى قيادتها تحاسب نفسها قبل أن تحاسب الآخرين، وتراجع أداءها قبل أن تطلب من الآخرين التطوير، وتؤكد أن القانون فوق الجميع، تكون أكثر قدرة على صناعة ثقافة مؤسسية مختلفة.
من «هيبة المنصب» إلى «هيبة الدولة»
هناك فارق كبير بين أن يخاف المواطن من المسؤول، وأن يحترم المسؤول، الخوف قد يصنع صمتًا مؤقتًا، أما الاحترام فيصنع ثقة، والدولة الحديثة لا تحتاج إلى مسؤول يستمد هيبته من كرسيه، وإنما تحتاج إلى مسؤول يستمد هيبته من نزاهته وكفاءته وعدله واحترامه للناس.
ومن هنا، فإن مواجهة الاستعلاء ليست قضية أخلاقية فقط؛ إنها قضية إدارية ومؤسسية.لأن المسؤول المتعالي لا يضر شخصًا واحدًا فقط،قد يضر مؤسسة كاملة، وقد يجعل الموظفين يقلدون سلوكه، وقد يحول الخوف إلى ثقافة، وقد يجعل المواطن يربط بين الدولة وبين تجربة شخصية سيئة مع مسؤول أو موظف.
وهذا تحديدًا ما يجعل محاصرة الاستعلاء جزءًا من حماية صورة الدولة نفسها.الرئيس الذي يطالب بالإصلاح يجب أن يبدأ بنفسه… وهنا تكمن القدوة
إن الإصلاح الحقيقي لا يحتاج إلى شعارات كثيرة، يكفي أن يرى المواطن أن رأس الدولة يفتح ملفات التطوير، ويطالب برفع كفاءة المؤسسات، ويؤكد أهمية معايير الاختيار، ويحذر من أمراض السلطة، حتى يفهم كل مسؤول أن موقعه ليس حصانة أخلاقية، وأن الكرسي لا يمنحه حق التعالي على الناس.
وهنا يمكن أن نفهم معنى القدوة القيادية، فالقدوة ليست أن يكون الرئيس كاملًا بلا أخطاء؛ فهذا ليس من طبيعة البشر، وإنما أن يكون هناك إصرار على الإصلاح، واعتراف بأهمية تطوير الأداء، ومحاسبة للخلل، ومحاولة مستمرة لبناء مؤسسات أكثر كفاءة وانضباطًا.
«رئيسي وأفتخر»… حين يكون الفخر مرتبطًا بالإصلاح
الفخر الحقيقي بالقيادة لا ينبغي أن يكون مجرد هتاف، إنما يصبح ذا معنى عندما يرتبط بما يراه المواطن من إصلاح، وانضباط، وبناء مؤسسات، واحترام للإنسان، ومواجهة لأوجه القصور، ولهذا فإن شعار:«رئيسي وأفتخر»
يمكن أن يكون تعبيرًا عن فخر المواطن بقيادته عندما يرى أن رئيس الدولة لا يتحدث فقط عن تطوير مؤسسات الدولة، وإنما يضع أمامها أيضًا مسؤولية أخلاقية: لا استعلاء، لا غرور بالمنصب، لا استقواء بالوظيفة، ولا استخدام للتدين أو الشعور بالاستقامة للنظر إلى الآخرين من أعلى.
لكن الفخر الحقيقي لا يكتمل بالقيادة وحدها، بل يحتاج إلى أن تنتقل الرسالة من القمة إلى كل مستوى إداري، من الوزير إلى المحافظ، ومن رئيس الجامعة إلى العميد.ة، ومن رئيس الهيئة إلى مدير الإدارة، ومن المدير إلى الموظف، حتى تصل الرسالة إلى أبسط موقع وظيفي:
أنت موظف لخدمة المواطن، ولست سيدًا عليه.
المطلوب الآن: تحويل الرسالة إلى ثقافة مؤسسية
إذا كانت الدولة تريد أن تحاصر الاستعلاء فعلًا، فإن الخطوة التالية يجب أن تكون تحويل هذه الرسالة إلى ممارسة مؤسسية.
أن يصبح احترام المواطن معيارًا في تقييم المسؤول.
وأن تصبح القدرة على إدارة الناس دون إذلالهم جزءًا من معايير اختيار القيادات.
وأن تتم مواجهة الواسطة والمحسوبية والتعالي الإداري بالقانون.
وأن يُكافأ المسؤول الذي يبني فريقًا ناجحًا، لا المسؤول الذي يخاف منه الجميع.
وأن ندرك أن القيادة ليست في أن تجعل الناس يخشونك، وإنما في أن تجعلهم يعملون معك وهم يشعرون بالاحترام والثقة.
يا فخامة الرئيس…
إن أخطر ما يمكن أن يحدث في أي دولة أن تتحول بعض المناصب إلى جزر معزولة عن المواطن.
وأخطر منه أن يعتقد صاحب المنصب أن موقعه يمنحه قيمة إنسانية أعلى من الآخرين.
ولهذا فإن رسالتكم بشأن الاستعلاء تستحق أن تتحول إلى منهج للإصلاح الإداري والأخلاقي في مؤسسات الدولة.
فإذا كان الإصلاح يبدأ من القمة، فإن القدوة أيضًا تبدأ من القمة.
وإذا كان المواطن يرى رئيسه يطالب بالإصلاح، فعليه أن يرى الإصلاح نفسه في الوزير، والمحافظ، ورئيس الجامعة، ورئيس الهيئة، والمدير، وكل مسؤول.
عندها فقط يصبح شعار:
«رئيسي وأفتخر»
ليس مجرد عبارة تُقال…
بل ثقافة وطنية عنوانها: رئيس يقود الإصلاح، ومؤسسات تتعلم منه، ومسؤولون يعرفون أن المنصب تكليف، ومواطنون يشعرون أن كرامتهم مصونة.
الخلاصة
الرئيس القدوة لا يكتفي ببناء الحجر…بل يبني الإنسان والمؤسسة معًا، وحين تصبح مكافحة الاستعلاء جزءًا من الإصلاح المؤسسي، يصبح احترام المواطن ليس منحة من المسؤول، وإنما حقًا أصيلًا لا يجوز المساس به.
نعم… نرفع شعار «رئيسي وأفتخر»، لكن أجمل ما في هذا الشعار أن يتحول الفخر بالرئيس إلى التزام من كل مسؤول بأن يكون على قدر المسؤولية التي حمّلها له الوطن.

