اعد الحوار: هايدي فلفل
في زمن تتسارع فيه وسائل التواصل وتتداخل فيه اللهجات والمصطلحات الأجنبية مع لغتنا اليومية، تبرز أهمية الحفاظ على اللغة العربية باعتبارها وعاء الهوية وذاكرة الحضارةوبين الكتابة والتصحيح اللغوي والعمل الثقافي، تتشكل تجربة الأستاذ أحمد جميل، الذي اختار أن يجعل من سلامة اللغة ودقة التعبير جزءًا من رسالته المهنية والثقافية.
ومن خلال عمله بوزارة الثقافة المصرية، وممارسته للتصحيح اللغوي ومراجعة الكتب والمقالات والأبحاث، يقدم رؤية حول واقع اللغة العربية، ومسؤولية المؤسسات التعليمية والإعلامية والثقافية في حمايتها، ودور القراءة في بناء شخصية المثقف.
وفي هذا الحوار نقترب من رؤيته للغة العربية، ونتعرف إلى فلسفته في التعامل مع النصوص، ورسالته إلى الأجيال الجديدة.
بطاقة تعريفية
الأستاذ أحمد جميل
كاتب ومثقف ومصحح لغوي.
حاصل على ليسانس دار العلوم، جامعة القاهرة، عام 1999.
من مواليد مدينة المنصورة بمحافظة الدقهلية، عام 1976.
يعمل بوزارة الثقافة المصرية منذ عام 2001.
مدير الإعلام وزارة الثقافه المصريه قطاع المسرح ادارة مكتبة القاهرة الكبرى
يمتلك خبرة في التصحيح اللغوي ومراجعة العديد من الكتب ومئات المقالات والأبحاث.
– بدايةً، كيف ترى واقع اللغة العربية في ظل الانتشار الواسع لمواقع التواصل الاجتماعي وما يصاحبها من أخطاء لغوية؟
اللغة العربية لغة أصيلة، ولا أرى أنها تواجه أزمة حقيقية؛ فقد كرمها الله سبحانه وتعالى بأن أنزل القرآن الكريم بها، وستظل ثوابتها محفوظة في القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف.
وأرى أن الأزمة ليست في اللغة العربية، وإنما في بعض مستخدميها؛ فالأخطاء المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي تعكس ضعف المستوى اللغوي لدى الأفراد، نتيجة الإهمال المتعمد أو غير المتعمد في التعليم.
ومع ذلك، هناك بارقة أمل تتمثل في اهتمام الدولة المصرية بتعليم اللغة العربية، خاصة في مراحل التعليم الابتدائي، وإلزام المدارس الخاصة والدولية بتدريسها ضمن أولوياتها التعليمية.
– بصفتك متخصصًا في التصحيح اللغوي، ما الفرق بين المصحح اللغوي والمدقق اللغوي؟
هناك تقارب كبير بين المصطلحين، ويُستخدمان أحيانًا بصورة تبادلية، لكن توجد بعض الفروق في طبيعة المهام.
فالمدقق اللغوي يركز على الأخطاء الإملائية والطباعية والنحوية والصرفية، إلى جانب ضبط علامات الترقيم، بينما يمتد عمل المصحح اللغوي إلى تحسين الأسلوب، وضبط تماسك الفقرات، واكتشاف الركاكة في التراكيب اللغوية وإعادة صياغتها بصورة سليمة.
والأهم أن يحافظ المصحح على روح الكاتب وفكرته وأسلوبه، فلا يغير المعنى الذي أراد التعبير عنه، وإنما يساعده على تقديم نص أكثر دقة ووضوحًا.
ما أسباب ضعف اللغة العربية لدى بعض الأجيال الجديدة؟ وهل يتحمل الإعلام والدراما جزءًا من المسؤولية؟
– أرى أن هناك مجموعة من العوامل، يأتي في مقدمتها الإهمال في تدريس اللغة العربية بالمدارس، وابتعاد كثير من الشباب عن القراءة، وانتشار أنماط من التعليم غير العربي في بعض المؤسسات التعليمية.
كما كان لبعض الأعمال الدرامية والسينمائية دور سلبي في السخرية من اللغة العربية ودارسيها، فضلًا عن وجود أخطاء لغوية في بعض البرامج الإعلامية خلال فترات سابقة.
ولكن هناك اهتمام متزايد بتقديم اللغة العربية بصورة صحيحة في الإعلام الرسمي، سواء في نشرات الأخبار أو البرامج الحوارية والثقافية.
– كيف يمكن للمؤسسات الثقافية أن تسهم في حماية اللغة العربية والهوية الثقافية؟
المؤسسات التعليمية والإعلامية والثقافية تتحمل مسؤولية كبيرة في حماية الهوية اللغوية والثقافية، ولا بد من تكاتف الجهود الفردية والأسرية والمؤسسية.
ومن الوسائل المهمة تنظيم اللقاءات الثقافية وورش العمل لتعليم اللغة بصورة صحيحة، وغرس حب القراءة لدى الأطفال من خلال الكتب المناسبة لأعمارهم، والاهتمام بتعريب العلوم وتبسيط القواعد اللغوية، وإنتاج محتوى رقمي وتطبيقات جذابة باللغة العربية تستهدف النشء والشباب.
كما ينبغي أن ننظر إلى لغتنا باعتزاز، باعتبارها لغة الهوية والثقافة والانتماء.
هل إتقان اللغة وقواعدها كافٍ ليصبح الإنسان مثقفًا؟ وما مواصفات المثقف الحقيقي؟
إتقان قواعد اللغة أحد عناصر تكوين الإنسان المثقف، لكنه ليس العنصر الوحيد. فالمداومة على القراءة هي التي تصنع ثقافة الإنسان وتمنحه القدرة على الفهم والنقد والتحليل واحترام التعددية الفكرية وتقبل الآخر.
فالمثقف الحقيقي لا يكتفي بتجميع المعلومات، وإنما يمتلك القدرة على التفكير المستقل والإبداع والتعامل الواعي مع قضايا مجتمعه.
واللغة العربية السليمة هي الوعاء الفكري الذي يستطيع الإنسان من خلاله التعبير عن هذا الإبداع الثقافي والفكري.
– ما رسالتك إلى الشباب للحفاظ على اللغة العربية وجعل القراءة أسلوب حياة؟
رسالتي إلى الشباب هي ضرورة الحفاظ على اللغة العربية باعتبارها لغة الهوية والثقافة؛ فهي ضرورة وجودية ومجتمعية لحماية الأجيال من الذوبان الثقافي والانجراف وراء التبعية.
ولا يتحقق ذلك إلا بالاهتمام باللغة العربية والثقافة العربية، وجعل القراءة جزءًا أساسيًا من حياتنا اليومية؛ فالأمة التي تحافظ على لغتها تحافظ على هويتها وذاكرتها وخصوصيتها الحضارية.
بين الكاتب والمصحح اللغوي والمثقف، تظل الكلمة مسؤولية، ويظل احترام اللغة احترامًا للفكر والهوية. فالمجتمعات التي تدرك قيمة لغتها تستطيع أن تصون ذاكرتها الثقافية، وتمنح أجيالها أدوات المعرفة والإبداع.
أحمد جميل.. تجربة مهنية وثقافية تؤكد أن تصحيح الكلمة هو أيضًا حفاظ على المعنى، وأن القراءة تظل الطريق الأهم لبناء الإنسان

