أبي.. رحلتَ عن عيني وبقيتَ في كل ما أنا عليه

بقلم: دكتوره مروه رضوان 

رئيس مجلس إدارة جريدة الجمهورية الجديدة 

منذ أن رحل أبي وأنا أتعلم كل يوم كيف أعيش بنصف قلب… كيف تمر الأيام، وتأتي المناسبات، وتحدث النجاحات، وأبحث بعيني عن وجهٍ واحد كنت أتمنى أن يكون أول من يراني، وأول من يفرح بي، وأول من أركض إليه لأقول له: “شوف يا أبي… أنا نجحت.”

لكنني لا أجده…أبحث عنه في الأماكن التي كان يجلس فيها، في تفاصيل البيت، في الذكريات، في صوت الدعاء له، وفي كل لحظة أشعر فيها أنني بحاجة إلى كلمة منه أو نظرة رضا من عينيه.

رحم الله أبي… فقد كان غيابه أكبر من أن يُحكى، وأعمق من أن تصفه الكلمات.

في ذكرى وفاته، لا أتذكر يوم رحيله فقط…
بل أتذكر عمرًا كاملًا كان فيه أبي سندًا، ومعلّمًا، وقدوة، وأمانًا لا أعرف قيمته إلا الآن بعد أن فقدته.

كان أبي دمث الخُلق، طيب القلب، حسن السيرة، محبًا لكل من حوله، خدومًا، متفائلًا، مجتهدًا وكان من أولئك الأشخاص الذين يتركون أثرًا طيبًا أينما ذهبوا، حتى إن ذكراه اليوم لا تأتي إلا ويأتي معها دعاء جميل:

“رحمه الله… كان رجلًا طيبًا.”..ويا لها من نعمة أن يرحل الإنسان، ويبقى الناس يذكرونه بالخير، كان أبي حازمًا في تربيتي، جادًا حين كان الأمر يحتاج إلى الجدية، لا يقبل مني الكسل ولا التهاون، وكان دائمًا يدفعني إلى أن أكون أفضل، وأن أتعلم قيمة العمل، وأن أعرف أن النجاح لا يأتي بلا تعب.

كان يعلمني الجد والاجتهاد في عملي، ويغرس بداخلي أن ما أفعله يجب أن أفعله بإخلاص، وأن الإنسان لا يترك مكانه في الحياة إلا وقد ترك أثرًا طيبًا، وربما لم أكن أفهم كل ذلك وأنا صغيرة…
لكنني فهمته جيدًا بعدما كبرت.

اليوم، وأنا أنظر إلى ما وصلت إليه، أدرك أن كثيرًا مما أنا عليه الآن بدأ من هناك… من أبٍ آمن بي، ورباني، وتعب من أجلي، وعلمني أن أجتهد.
بعد فضل الله وتوفيقه، كان أبي سببًا فيما وصلت إليه، وكل نجاح أحققه اليوم أشعر أن له فيه نصيبًا… وكل خطوة أخطوها إلى الأمام أتذكر أنه كان يومًا يدفعني إليها، حتى طيبة قلبي وعفويتي، أراهما فيه، وربما أجمل ما يخفف عني وجع فقده أنني اليوم، حين يراني الناس، كثيرًا ما أسمع: “ربنا يرحم أبوكي… واضح إنه ربّاكي كويس.”وقتها يختنق قلبي قبل أن تبتسم عيناي… لأنهم لا يعرفون أن هذه الجملة بالنسبة لي ليست مجرد مجاملة، بل شهادة أحب أن أسمعها عن أبي حتى آخر عمري.

نعم يا أبي… ما زلت أعيش بما علمتني إياه.
وما زلت أحاول أن أكون الابنة التي كنت ستفخر بها.

كنت حازمًا معي، لكنني عرفت بعد رحيلك أن خلف ذلك الحزم قلبًا كان يحبني أكثر مما كنت أتصور، كنت شديدًا في التربية، لكنك كنت حنونًا في كل ما يخصني.

واليوم، لو كان لي أن أطلب أمنية واحدة فقط، لما طلبت مالًا ولا نجاحًا ولا شيئًا من الدنيا…
كنت سأطلب أن تعود لي دقيقة واحدة فقط.
دقيقة أجلس فيها أمامك، أمسك يدك، وأقول لك:
“شكرًا يا أبي… لأنني اليوم أنا، بسببك بعد فضل الله.”
أبكي لكل هذا الغياب دفعة واحدة… لكنها سنة الله، ولا نملك أمام الموت إلا الصبر والدعاء.

اللهم إن أبي قد غاب عن عيني، لكنه لم يغب يومًا عن قلبي، اللهم اغفر له بقدر طيبة قلبه، وارحمه بقدر ما أعطى وأحب وتعب، واجعل كل خير زرعه فينا نورًا يجري إليه في قبره.
اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة، وآنس وحشته، وارفع درجته، واجمعني به في جنة لا فراق فيها. رحمك الله يا أبي…

رحلت عن الدنيا، لكنك تركت في داخلي شيئًا منك لا يموت..تركت أخلاقك… وطيبتك…
وعفويتك… واجتهادك… وسيرتك الطيبة…
وتركت ابنة كلما نجحت قالت في سرها:
“بعد فضل الله… أبي هو السبب.”

وكل عام يمر على رحيلك، أدرك شيئًا واحدًا:
أن فقد الأب ليس يومًا ينتهي… إنه حنين طويل نعيش به حتى نلتقي.

رحم الله أبي، ورحم كل أبٍ رحل وترك خلفه قلبًا لا يزال يناديه. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *