حين يكون التقييم حمايةً للطفولة لا اغتيالًا لها

بقلم: الأستاذ الدكتور عيد عبدالواحد درويش
خبير ومستشار تربوي أستاذ بجامعة المنيا

أثارت قضية تطبيق اختبارات شهرية على تلاميذ الصفين الأول والثاني الابتدائي جدلًا واسعًا، وذهب البعض إلى وصف القرار بأنه يمثل ضغطًا على الأطفال، بل وصل الأمر إلى استخدام تعبيرات شديدة مثل «اغتيال الطفولة».

وأعتقد أن القضية تستحق قدرًا أكبر من الهدوء والموضوعية؛ لأن الاختلاف الحقيقي ليس حول حق الطفل في أن يعيش طفولته، وإنما حول الكيفية التي نقيس بها تعلمه، والهدف من هذا القياس، والأثر النفسي الذي يترتب عليه.

ومن هنا، فإن الدفاع عن قرار الوزير لا يعني الدفاع عن الامتحان التقليدي أو الحفظ والتلقين، وإنما يعني التأكيد على أن التقييم المبكر، إذا صُمم بصورة تربوية صحيحة، يمكن أن يكون أداة لحماية الطفل لا مصدرًا لإيذائه.

أولًا: التقييم ليس مرادفًا للامتحان

من الأخطاء الشائعة في تناول القضية أن يُفهم كل تقييم باعتباره امتحانًا تقليديًا يجلس فيه الطفل أمام ورقة وأسئلة ودرجات وقلق.

والحقيقة التربوية أوسع من ذلك بكثير.

فالتقييم في المراحل الأولى من التعليم يمكن أن يكون وسيلة لمعرفة:

* هل أتقن الطفل مهارة القراءة المناسبة لمرحلته؟
* هل يستطيع فهم ما يقرأ؟
* هل يمتلك المهارات الأساسية في الحساب؟
* ما جوانب القوة لديه؟
* أين توجد صعوبات التعلم؟
* هل يحتاج إلى تدخل علاجي أو دعم إضافي؟
* وهل أسلوب التدريس المستخدم داخل الفصل يحقق نواتج التعلم المستهدفة؟

وهنا يصبح التقييم أداة تشخيصية تساعد المعلم والأسرة والمدرسة على التدخل المبكر، بدلًا من اكتشاف المشكلة بعد مرور سنوات.

ثانيًا: الطفل الذي لا نقيس تعلمه قد نتركه خلف الركب

ليس من مصلحة الطفل أن نقول: «إنه صغير، فلا داعي لتقييمه».

فالصغر تحديدًا هو المرحلة التي تتشكل فيها المهارات الأساسية.

وإذا كان طفل في الصف الأول يعاني من ضعف واضح في الوعي الصوتي أو القراءة أو الحساب، فإن اكتشاف المشكلة مبكرًا يمنحنا فرصة كبيرة للتدخل.

أما تجاهلها باسم حماية الطفل، فقد يؤدي إلى تراكم الفجوة التعليمية عامًا بعد عام.

فالطفل لا يحتاج إلى غياب التقييم؛ وإنما يحتاج إلى تقييم لا يخيفه.

وهذه نقطة جوهرية في فهم قرار الوزارة.

ثالثًا: الدرجات ليست هي الهدف

حتى إذا خُصص جزء من الدرجة للتقييم الشهري، فلا ينبغي أن تتحول الدرجة إلى غاية في ذاتها.

الهدف الحقيقي يجب أن يكون قياس نواتج التعلم بصورة مستمرة، وتقديم تغذية راجعة تساعد المعلم على تعديل طريقة التدريس.

والمفهوم الحديث للتقويم لا يقتصر على السؤال: «كم حصل الطفل؟»، وإنما يمتد إلى سؤال أكثر أهمية:

«ماذا تعلم الطفل؟ وما الذي لم يتعلمه بعد؟ وكيف نساعده على التعلم؟»

وهذا يتسق مع توجهات تعليمية حديثة تؤكد أهمية التقييم المستمر في متابعة تقدم المتعلم وتشخيص نقاط القوة والضعف وتوجيه العملية التعليمية. وتعرض وزارة التربية والتعليم نفسها في نظام النيل مفهوم التقييم المستمر بوصفه وسيلة لمتابعة تقدم المتعلم وقياس تحقق نواتج التعلم. (NIES⁠)

رابعًا: هل الاختبار الشهري يغتال الطفولة؟

هنا أختلف مع هذا التوصيف.

الذي قد يغتال الطفولة بالفعل ليس مجرد وجود تقييم، وإنما تحويل المدرسة إلى مساحة للخوف، وتحويل الدرجة إلى معيار لقيمة الطفل، وتحويل الأسرة إلى لجنة امتحان دائمة.

أما إذا كان التقييم قصيرًا، ومناسبًا لعمر الطفل، ومبنيًا على مهارات تعلم حقيقية، ولا يحمل الطفل أعباء نفسية أو منزلية تفوق قدرته، فإنه يمكن أن يصبح جزءًا طبيعيًا من عملية التعلم.

بل يمكن أن نقول:

التقييم القاسي يؤذي الطفل، أما التقييم التربوي فيحميه من الفشل المتراكم.

خامسًا: المشكلة ليست في قرار الوزير وإنما في ثقافة التطبيق

وهنا يجب أن نكون أكثر إنصافًا.

قد يصدر الوزير قرارًا تربويًا هدفه ضبط منظومة المتابعة ورفع مستوى الانضباط وتحسين اكتشاف الفروق الفردية، لكن التطبيق الخاطئ للقرار يمكن أن يحوله إلى شيء آخر تمامًا.

فإذا حولت بعض المدارس الاختبار الشهري إلى:

* امتحانات طويلة،
* واجبات منزلية مرهقة،
* تدريبات حفظ وتلقين،
* تهديد بالدرجات،
* مقارنة بين الأطفال،
* ضغط مستمر من الأسرة،

فهنا تصبح المشكلة في الممارسة وليس في فكرة التقييم نفسها.

ومن ثم، فإن الحكم على القرار يجب ألا ينطلق من أسوأ تطبيق محتمل له، وإنما من فلسفته وأهدافه، مع ضرورة وضع الضوابط التي تمنع إساءة التطبيق.

سادسًا: الوزير يحتاج إلى الدعم لا إلى شيطنة القرار

في إصلاح التعليم، من السهل جدًا أن نقول «القرار خاطئ»، لكن الأصعب والأكثر فائدة أن نسأل:

كيف نجعل القرار يحقق هدفه دون أن نحمّل الطفل ما لا يحتمل؟

وهذا هو الحوار التربوي الذي نحتاجه.

فبدلًا من المطالبة بإلغاء التقييم من أساسه، يمكن المطالبة بأن تكون هناك ضوابط واضحة، منها:

1. أن تتناسب أدوات التقييم مع العمر الزمني والنمائي للطفل.
2. ألا يتحول التقييم إلى امتحان تقليدي مرهق.
3. أن يعتمد على الفهم والمهارات وليس الحفظ وحده.
4. أن تكون الأسئلة قصيرة وبسيطة وملائمة للمرحلة العمرية.
5. ألا يستخدم التقييم لإخافة الطفل أو عقابه.
6. ألا تكون الدرجة وسيلة للمقارنة بين الأطفال.
7. أن تستثمر نتائج التقييم في علاج جوانب الضعف.
8. أن يحصل الطفل المتعثر على دعم حقيقي داخل المدرسة.
9. أن يتم توعية الأسرة بأن الهدف هو معرفة احتياجات الطفل وليس مطاردته بالدرجات.
10. أن تظل مساحة اللعب والنشاط والحركة والإبداع جزءًا أساسيًا من حياة الطفل المدرسية.

سابعًا: التقييم المبكر يمكن أن يكون عدالة تربوية

هناك جانب آخر لا ينبغي أن يغيب عن النقاش.

الأطفال ليسوا متساوين في ظروفهم الأسرية والاجتماعية وقدراتهم وأنماط تعلمهم.

والتقييم المنتظم يمكن أن يساعد المدرسة على اكتشاف الطفل الذي يحتاج إلى دعم إضافي، بدلًا من أن يمر من صف إلى صف وهو يحمل فجوات تعليمية متراكمة.

وبالتالي، فإن التقييم العادل قد يكون وسيلة لتحقيق تكافؤ الفرص، بشرط ألا يتحول إلى أداة للفرز المبكر أو الوصم أو المقارنة.

ثامنًا: رسالة إلى أولياء الأمور

وهنا تقع مسؤولية كبيرة على الأسرة.

لا تجعلوا من الاختبار حدثًا مرعبًا.

لا تسألوا الطفل بعد عودته من المدرسة:

«جبت كام؟»

قبل أن تسألوه:

«اتعلمت إيه النهارده؟»

ولا تجعلوا الدرجة معيارًا للحب أو الفخر أو القبول.

فالطفل الذي يحصل على درجة منخفضة لا يحتاج إلى التوبيخ، وإنما يحتاج إلى أن يعرف أين أخطأ وكيف يمكنه أن يتحسن.

فالمدرسة ليست مصنعًا لإنتاج الدرجات، والطفل ليس رقمًا في كشف النتائج.

تاسعًا: الدفاع عن الوزير لا يعني إغلاق باب النقد

من حق الخبراء وأولياء الأمور أن يناقشوا أي قرار تعليمي، ومن حقهم أن يطلبوا بيانات ودراسات وقياسًا مستمرًا لآثاره.

لكن النقد البناء يختلف عن إطلاق الأحكام النهائية.

فالقرار يمكن أن يبدأ، ثم تتم مراقبة آثاره، ثم تعدل أدواته أو آليات تطبيقه إذا كشفت الممارسة عن مشكلات حقيقية.

وهذا هو جوهر الإدارة التعليمية الرشيدة:

قرار، ثم متابعة، ثم قياس، ثم تطوير.

وليس:

قرار، ثم رفض، ثم إلغاء.

الخلاصة: لا نريد طفلًا خائفًا… ولا طفلًا بلا متابعة

إن الدفاع عن قرار وزير التربية والتعليم لا يعني أن نقبل بأي امتحان وبأي صورة.

بل يعني أن نعطي القرار فرصة ليحقق هدفه، وأن نراقب التطبيق، وأن نطالب في الوقت نفسه بضمانات تربوية ونفسية تحمي الطفل.

فالطفولة لا تُحمى بإلغاء كل أشكال التقييم، كما أن جودة التعليم لا تتحقق بكثرة الامتحانات.

الطفولة تُحمى عندما يصبح التقييم في خدمة الطفل، لا الطفل في خدمة التقييم.

ولهذا فإن السؤال الصحيح ليس:

«هل نقيّم الطفل أم لا؟»

وإنما:

«كيف نقيّم الطفل دون أن نسرق منه طفولته، وكيف نكتشف تعثره دون أن نزرع داخله الخوف؟»

وهنا يمكن أن يتحول قرار الوزير من قضية خلافية إلى فرصة لإعادة بناء مفهوم التقييم في التعليم المصري:

تقييمٌ يقيس التعلم، ولا يخيف الطفل؛
وتقييمٌ يكتشف التعثر، ولا يعاقب عليه؛
وتقييمٌ يدعم المعلم، ولا يرهق المتعلم؛
وتقييمٌ يحمي مستقبل الطفل، دون أن يسرق منه طفولته.

فالطفل يحتاج إلى أن نتأكد أنه يتعلم… لا أن نجعله يخاف من التعلم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *