بقلم: د مروه رضوان
رئيس مجلس إدارة جريدة الجمهورية الجديدة
حكاية امرأة أعطت زوجها عمرها وصحتها وقلبها.. ثم اكتشفت أن الرجل الذي خافت أن تعيش يومًا واحدًا بعده، كان يقتلها يومًا بعد يوم والسبب الخيانة الزوجية.
لم تكن تريد من الحياة كثيرًا… كانت تريد زوجًا تحبه، وبيتًا دافئًا، ويدًا تطمئن إليها حين تخاف، وكتفًا تسند عليه رأسها حين تتعب.
وكان هو بالنسبة إليها أكثر من زوج…كان أهلها وسندها ووطنها وأمانها، كانت تحبه بطريقة ربما لم تعد الحياة تعرفها كثيرًا…قبل أن تأكل، كانت تطمئن أنه أكل، وقبل أن تشتري لنفسها شيئًا، كانت تفكر فيما يحتاجه هو.
كانت ترتدي ما يستطيع هو أن يشتريه، وتؤجل ما تتمناه لنفسها، وتعتبر أن إسعاده ليس تضحية… بل واجب تحبه.
إذا مرض، جلست بجواره.
إذا تعب، نسيت تعبها، إذا ضاق به الحال، بحثت عن حل.
إذا احتاج إلى مساعدة، فتحت له كل الأبواب التي تعرفها، واستعانت بكل علاقاتها، وبكل ما تملك من صحة ووقت وجهد، فقط كي تراه بخير.
كانت تقول لنفسها:
«المهم هو يكون مرتاح… أنا أستحمل.»
ولأنها كانت تحب بصدق…
كانت تستحمل فعلًا.
استحملت حتى جسدها بدأ يدفع ثمن كل ما فعلته.
مرضت.
دخل المرض إلى جسدها، وأصبح عليها أن تعيش مع مرض مناعي، وأن تتعامل مع تعب لم يكن في حساباتها.
ومع ذلك…
لم تتوقف عن العطاء.
كانت مريضة، لكنها تسأل عنه.
كانت متعبة، لكنها تهتم به.
كانت تحتاج من يربت على كتفها، فكانت هي التي تربت على كتفه.
كانت تحتاج من يقول لها:
«كفاية… ارتاحي.»
لكنها لم تكن تجد من يقولها.
ومع ذلك لم تشكُ.
لأنها كانت ترى في زوجها مشروع عمرها.
كانت تنظر إليه وتقول في سرها:
«ده الإنسان اللي اخترته… وده الإنسان اللي هكمل معاه عمري كله.»
كانت تحبه إلى الدرجة التي جعلتها تخاف من الحياة بعده.
كانت تقول:
«أنا مش هعرف أعيش ساعة بعده.»
وكانت تدعو الله…
لا أن يطيل عمرها معه فقط، بل كانت تتمنى أن يسبقها الموت إليه.
كانت تقول:
«يا رب يومي يكون قبله.»
وتضحك أحيانًا وهي تقول:
«نفسي أموت على كتفه… وفي حضنه.»
كانت ترى الحنان في عينيه…
فتطمئن.
كانت تنظر إلى يده وهي تمسك يدها، ولا تعرف أن اليد نفسها كانت تخبئ وراء ظهرها خنجرًا.
لم تكن تعرف…
أن الإنسان الذي اختارت أن تموت في حضنه، كان هو نفسه يجهز لها أكبر وجع يمكن أن تتخيله امرأة.
ثم جاء اليوم…
اليوم الذي اكتشفت فيه الحقيقة.
لم تسقط من مكان مرتفع.
لم تتعرض لحادث.
لم ينفجر شيء حولها.
كل ما حدث…
أنها عرفت.
عرفت أنه يخونها.
وفي لحظة واحدة، سقطت داخلها سنوات كاملة.
لم تتذكر المرأة الأخرى أولًا…
تذكرت نفسها.
تذكرت كل مرة حرمَت نفسها من شيء من أجله.
تذكرت كل وجبة قدمتها له قبل أن تأكل.
كل ليلة جلست بجواره وهو مريض.
كل مرة أخفت فيها ألمها حتى لا يزداد ألمه.
كل باب طرقته من أجله.
كل علاقة استخدمتها لمساعدته.
كل مرة كان هو ينام مطمئنًا…
بينما كانت هي تسهر لتفكر كيف تجعل حياته أفضل.
ثم سألت نفسها السؤال الذي قتل شيئًا بداخلها:
«طب أنا كنت بعمل كل ده لمين؟»
لم يكن الألم في أن هناك امرأة أخرى فقط…
الألم الحقيقي كان في أن كل الذكريات التي كانت تعتبرها أجمل ما في حياتها، بدأت فجأة تبدو لها وكأنها كانت تعيش قصة وحدها.
كانت تظن أن التضحية تُرى.
أن الوفاء يُقدَّر.
أن العشرة لها حرمة.
أن الرجل الذي رأى زوجته تنهك نفسها من أجله، يستحيل أن يكون هو من يكسرها.
لكنها اكتشفت أن القلب لا يحميه تاريخ طويل من الحب…
إذا اختار صاحبه أن يطعنه.
والأصعب من الخيانة نفسها…
أنها لم تكن مستعدة لها.
لأنها لم تكن تشك.
كانت تثق.
وهناك فرق هائل بين امرأة تخونها الظروف…
وامرأة يخونها الإنسان الذي كانت تظنه أمانها.
الأولى تتعب…
أما الثانية فتتوه.
أصبحت مشتتة.
لا تعرف ماذا تصدق.
لا تعرف ماذا تفعل.
لا تعرف هل تبكي أم تصرخ أم تصمت.
تنظر إلى وجهه فتتذكر الرجل الذي أحبته…
ثم تتذكر الحقيقة.
تسمع صوته فتشتاق إليه…
ثم تتذكر أنه كان يقول نفس الكلمات لامرأة أخرى.
تراه أمامها فتتذكر حضنه…
ثم تسأل نفسها:
«هو الحضن اللي كنت بحلم أموت فيه… كان فيه مكاني فعلًا؟»
يا لوجع الخيانة حين تأتي من الإنسان الذي لم تكن تخاف منه.
هي لم تكن تخاف أن يتركها.
كانت تخاف أن تتركه هي.
لم تكن تتخيل يومًا بدونه…
كانت تتخيل يومها الأخير معه.
كانت تتمنى أن يكون آخر وجه تراه هو وجهه.
آخر يد تمسكها يده.
آخر حضن حضنه.
ثم اكتشفت أن الرجل الذي كانت تتمنى أن تموت بين ذراعيه…
كان يقتلها وهي على قيد الحياة.
والخيانة لا تقتل الجسد.
أحيانًا تترك الجسد يمشي، ويتكلم، ويضحك أمام الناس…
لكنها تقتل شيئًا أعمق.
تقتل الثقة.
تقتل الأمان.
تقتل الصورة الجميلة التي كانت المرأة تراها في نفسها وفي زوجها وفي حياتها.
ولهذا قد تبدو المرأة بعد الخيانة بخير.
تخرج.
تعمل.
تتكلم.
تبتسم.
وتقول للناس:
«أنا كويسة.»
لكنها حين تدخل غرفتها وتغلق الباب…
قد تجلس وحدها، وتبكي على امرأة كانتها قبل أن تعرف الحقيقة.
تبكي على قلب كان مطمئنًا.
على عين كانت ترى الحنان ولا ترى الخنجر.
على امرأة كانت تعطي بلا حساب لأنها لم تتخيل يومًا أن مقابل الوفاء يمكن أن يكون الغدر.
هي ليست ضعيفة لأنها انكسرت.
وليست ساذجة لأنها وثقت.
وليست قليلة لأنها أحبت.
هي فقط…
أحبت رجلًا أكثر مما أحب نفسه معها، والخيانة لا تقول إن المرأة لم تكن كافية، الخيانة تقول شيئًا واحدًا عن صاحبها:
أنه اختار أن يخون عهدًا كان يمكنه أن يحفظه.
أما هي…
فلتبكِ.
لتنهار.
لتغضب.
لتكره ما حدث.
فليس مطلوبًا من القلب أن يتعافى في ليلة، لكن عليها أن تعرف شيئًا واحدًا، هي لم تخسر قيمتها لأن شخصًا لم يعرف قيمتها.
لم تصبح أقل جمالًا لأن رجلًا خانها…لم تصبح أقل أنوثة لأن قلبًا آخر دخل حياته…ولم تذهب سنوات عطائها هباءً…
فهي تعرف الآن على الأقل كم كانت قادرة على الحب، وكم كانت وفية، وكم أعطت.
أما هو…فقد خسر إنسانة كانت تتمنى أن يكون آخر يوم في عمرها هو أول يوم في عمره…إنسانة كانت تضعه قبل نفسها…إنسانة كانت تدعو الله أن تموت قبله…ثم جعلها بخيانته تتمنى لو أنها لم تعرفه أصلًا.
كم هو مؤلم أن تكوني طوال عمرك تبحثين عن كتف تموتين عليه… ثم تكتشفين أنك كنتِ تسندين كتف الرجل الذي كان يطعنك، هي ما زالت حية… نعم؛ لكنها الآن تتعلم أصعب درس:
أن الإنسان لا يموت دائمًا حين يتوقف قلبه…أحيانًا يموت حين يفقد الشخص الذي كان يظنه وطنه ثم يبدأ من جديد… لا لأنه لم يتألم، بل لأنه أدرك أخيرًا أن الوطن الحقيقي الذي لا يجوز أن يخسره… هو نفسه.
وإن انكسر قلبها اليوم، فربما يأتي يوم تنظر فيه إلى هذا الوجع وتقول: الحمد لله أنني نجوت… حتى لو كنت وقتها أظن أنني لن أنجو.

