بقلم: لواء دكتور محمد الدسوقى
لم يعد التعاون العسكري بين مصر والصين مجرد انعكاس للعلاقات السياسية والاقتصادية المتنامية بين البلدين، بل بدأ ينتقل تدريجيًا إلى مستوى أكثر تقدمًا، يقوم على تبادل الخبرات والتدريب العملياتي والتعرف الميداني إلى أحدث منظومات القتال الجوي. ويأتي انطلاق النسخة الثانية من التدريب الجوي المصري – الصيني المشترك “نسور الحضارة 2026” ليؤكد أن العلاقات العسكرية بين القاهرة وبكين تدخل مرحلة جديدة تتجاوز الزيارات الرسمية وتبادل الوفود إلى تعاون عملي مباشر بين القوات المسلحة في البلدين.
وقد أعلنت القوات المسلحة المصرية انطلاق فعاليات التدريب يوم 22 أغسطس 2026، بمشاركة عدد من الطائرات المقاتلة متعددة المهام من مختلف الطرازات، على أن يُنفذ التدريب على مدار عدة أيام في عدد من القواعد الجوية المصرية. ومن المقرر أن تستمر فعالياته
حتى أوائل سبتمبر، وفقًا لما أعلنته وزارة الدفاع الصينية.
ويُمثل التدريب النسخة الثانية من “نسور الحضارة”، بعد نجاح نسخته الأولى التي استضافتها مصر خلال الفترة من 17 أبريل إلى 4 مايو 2025، وكانت أول تدريب جوي مشترك من نوعه بين القوات المسلحة المصرية والصينية. ويكشف الانتقال السريع إلى تنظيم نسخة ثانية
عن رغبة متبادلة في تحويل هذا التعاون من تجربة أولى محدودة إلى مسار منتظم قابل للتوسع والتطوير.
مضمون التدريب وأهدافه العملياتية:
بدأت مراحل “نسور الحضارة 2026” بعدد من المحاضرات النظرية والعملية، بهدف توحيد المفاهيم القتالية والتنسيق بين العناصر المشاركة، قبل الانتقال إلى تنفيذ الطلعات الجوية المشتركة.
ويركز التدريب، وفقًا للبيانات الرسمية، على مجموعة من الموضوعات المتقدمة، أبرزها تكتيكات القتال الجوي، وعمليات تحقيق التفوق والسيادة الجوية، والتخطيط وإدارة العمليات الجوية المشتركة، وتنفيذ مهام البحث والإنقاذ القتالي، فضلًا عن التدريب على استخدام القوات والوسائط الجوية في بيئة عملياتية معقدة.
وتكمن أهمية هذه التدريبات في أنها لا تقتصر على إظهار قدرات الطائرات أو مهارات الطيارين، وإنما تختبر قدرة قوات جوية تنتمي إلى مدرستين مختلفتين على العمل معًا. فالقوات الجوية المصرية تمتلك خبرة طويلة في تشغيل منظومات متنوعة من المصادر الأمريكية والفرنسية والروسية، بينما تعتمد القوات الجوية الصينية على منظومات وطنية متطورة، لها مفاهيم مختلفة في القيادة والسيطرة وإدارة المعارك الجوية.
ومن ثم، يوفر التدريب فرصة لتبادل الخبرات في مجالات التخطيط للعمليات، والقيادة الجوية، والتنسيق بين الطائرات المقاتلة وطائرات الدعم، وإدارة المجال الجوي، والتعامل مع الأهداف والتهديدات المتعددة.
المشاركة الصينية ودلالات الانتشار بعيد المدى:
تكتسب النسخة الحالية أهمية خاصة بسبب طبيعة المشاركة الصينية فيها. فقد أشارت التقارير إلى إرسال الصين تشكيلًا جويًا متكاملًا يضم مقاتلات متعددة المهام، وطائرات نقل وتزود بالوقود، وطائرات دعم وإنذار مبكر، إلى جانب عناصر فنية ولوجستية.
وتُعد مشاركة المقاتلات الصينية الثقيلة تطورًا مهمًا في طبيعة الحضور الجوي الصيني داخل القارة الإفريقية. فهذه الطائرة تتمتع بمدى عملياتي كبير، وقدرات متقدمة في القتال الجوي والهجوم على الأهداف الأرضية والبحرية، إلى جانب إمكانات متطورة في الاستشعار والحرب الإلكترونية كما تمثل مشاركة طائرات التزود بالوقود والنقل الاستراتيجي والإنذار المبكر مؤشرًا على أن الصين لا تختبر مجرد أداء طائرات منفردة، وإنما تختبر قدرتها على نقل وتشغيل قوة جوية متكاملة على مسافة بعيدة عن أراضيها.
ويقدم الانتشار الجوي الصيني إلى مصر رسالة واضحة بشأن التطور الذي حققته بكين في مجالات النقل الاستراتيجي والدعم اللوجستي والتزود بالوقود جوًا، وهي قدرات أساسية لأي قوة تسعى إلى العمل خارج نطاقها الجغرافي المباشر.
ومن المنظور الصيني، تتيح التدريبات فرصة لاختبار أداء القوات والمعدات في بيئة جغرافية ومناخية مختلفة، وتعزيز قدرة القوات الجوية الصينية على الانتشار بعيد المدى والعمل المشترك مع قوات أجنبية. أما بالنسبة إلى مصر، فإنها تتيح الاطلاع بصورة عملية على القدرات القتالية والتكنولوجية الصينية، بدلًا من الاكتفاء بالمعلومات النظرية أو عروض الصناعات الدفاعية.
مصر وسياسة تنويع الشراكات العسكرية:
يأتي “نسور الحضارة 2026” في إطار سياسة مصرية مستقرة تقوم على تنويع العلاقات العسكرية ومصادر التسليح والخبرات، وعدم الارتهان لشريك دولي واحد.
فمصر تحتفظ بعلاقات عسكرية ممتدة مع الولايات المتحدة، وتشارك معها في تدريب “النجم الساطع”، كما تنفذ تدريبات مشتركة مع عدد من الدول الأوروبية والعربية والإفريقية. وفي الوقت نفسه، طورت القاهرة تعاونها العسكري مع فرنسا وروسيا والصين وغيرها
من القوى الدولية.
ولا يعني ذلك انتقال مصر من معسكر دولي إلى آخر، أو استبدال شريك استراتيجي بشريك جديد، وإنما يعكس حرص الدولة المصرية على امتلاك أكبر مساحة ممكنة من حرية الحركة والاستقلال في القرار العسكري والسياسي.
لقد أثبتت المتغيرات الدولية والإقليمية أن الاعتماد الكامل على مصدر واحد للتسليح أو التدريب قد يفرض قيودًا على قدرة الدول على حماية مصالحها، خاصة في أوقات الأزمات. ولذلك أصبحت مسألة تنويع الشراكات جزءًا أساسيًا من مفهوم الأمن القومي الشامل.
وفي هذا السياق، يفتح التعاون مع الصين أمام مصر خيارات إضافية في مجالات التسليح والطائرات غير المأهولة والرادارات والدفاع الجوي والاتصالات العسكرية والحرب الإلكترونية والتصنيع المشترك ونقل التكنولوجيا.
هل يمهد التدريب لصفقات تسليح جديدة؟
أثارت التدريبات المصرية – الصينية تكهنات بشأن احتمال اتجاه مصر إلى شراء مقاتلات صينية متقدمة، لاسيما “J-10CE”، التي تنتمي إلى الجيل الرابع المعزز وتتميز برادار مسح إلكتروني نشط وقدرتها على حمل صواريخ جو – جو بعيدة المدى.
ومع ذلك، يجب التمييز بين التعاون التدريبي والاتفاقات الخاصة بشراء الأسلحة. فلم تعلن مصر رسميًا، حتى الآن، توقيع صفقة للحصول على مقاتلات “J-10CE” أو “J-16″، كما أن إجراء تدريب مشترك لا يمثل بمفرده دليلًا على وجود صفقة مكتملة.
لكن المؤكد أن مثل هذه التدريبات تمنح الجانب المصري فرصة مهمة لتقييم أداء المنظومات الصينية في ظروف تشغيل فعلية، والتعرف إلى فلسفة استخدامها، وقدراتها الفنية والقتالية، ومتطلبات تشغيلها وصيانتها، ومدى إمكانية توافقها مع البنية العملياتية المصرية.
ومن ثم، يمكن اعتبار التدريب مجالًا للتقييم وتبادل الخبرة واستكشاف فرص التعاون المستقبلي، من دون الجزم بأنه مقدمة مباشرة لصفقة بعينها.
الرسائل الإقليمية والدولية:
يحمل تدريب “نسور الحضارة 2026” عددًا من الرسائل الاستراتيجية، رغم تأكيد البلدين
أن التدريبات لا تستهدف طرفًا ثالثًا، ويمكن بلورتها فى الآتي:
الرسالة الأولى: أن مصر ماضية في بناء علاقات متوازنة مع القوى الكبرى، وأن علاقاتها التقليدية مع الولايات المتحدة وأوروبا لا تمنعها من تطوير التعاون مع الصين.
أما الرسالة الثانية: فهي أن الصين أصبحت مستعدة لتوسيع تعاونها العسكري خارج نطاق شرق آسيا، وبناء شراكات أكثر عمقًا مع دول محورية في الشرق الأوسط وإفريقيا.
وتتمثل الرسالة الثالثة: في تأكيد الموقع الاستراتيجي لمصر باعتبارها دولة تربط بين الشرق الأوسط وإفريقيا والبحر المتوسط والبحر الأحمر، وتسيطر على أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وهو قناة السويس. ولذلك فإن التعاون العسكري معها يكتسب أهمية خاصة بالنسبة
إلى مختلف القوى الدولية.
كما يبعث التدريب برسالة تتعلق بقدرة القاهرة على إدارة شبكة متنوعة من العلاقات العسكرية من دون الانخراط في تحالفات مغلقة أو سياسات استقطاب حاد. فمصر تتعاون مع واشنطن وبكين وباريس وموسكو وغيرها، وفقًا لمصالحها الوطنية ومتطلبات أمنها القومي.
مكاسب مصر من التدريب:
يمكن تحديد أهم المكاسب المصرية المتوقعة من التدريب في عدة نقاط، أبرزها رفع كفاءة الطيارين والعناصر الفنية، وتبادل الخبرات في تخطيط وإدارة العمليات الجوية، والتعرف إلى تكتيكات قتالية مختلفة، واختبار التنسيق مع منظومات جوية حديثة.
كما يسمح التدريب بدراسة أداء الطائرات وأنظمة الاستشعار والإنذار المبكر والدعم الإلكتروني الصينية في بيئة عملياتية حقيقية، وهو ما يوفر معلومات مهمة لصانعي القرار العسكري بشأن فرص التعاون المستقبلي.
ويُضاف إلى ذلك أن توسيع التعاون مع الصين قد يفتح المجال أمام مشروعات مشتركة في الصناعات الدفاعية، خاصة إذا انتقل التعاون من مجرد شراء المعدات إلى التصنيع المحلي ونقل التكنولوجيا وتدريب الكوادر الفنية المصرية.
لكن تحقيق هذه المكاسب يتطلب مراعاة عدد من التحديات، من بينها اختلاف أنظمة الاتصال والقيادة والسيطرة، وصعوبة تحقيق التكامل الكامل بين المنظومات الشرقية والغربية، وارتفاع تكلفة إنشاء البنية الفنية واللوجستية اللازمة لتشغيل أي منظومات جديدة.
خطوة نحو شراكة أوسع:
لا يمكن النظر إلى “نسور الحضارة 2026” باعتباره مجرد تدريب عسكري عابر، ولا ينبغي كذلك تحميله أكثر مما يحتمل واعتباره إعلانًا عن تحالف عسكري جديد. فالدلالة الأكثر دقة أنه يمثل خطوة متقدمة في مسار تعاون عسكري متنامٍ بين قوتين تمتلك كل منهما دوافعها ومصالحها الخاصة.
الصين تسعى إلى تعزيز حضورها الدولي وإظهار قدرتها على الانتشار والتعاون العسكري بعيدًا عن أراضيها، بينما تسعى مصر إلى تنويع شراكاتها واكتساب خبرات جديدة وتوسيع خياراتها التكنولوجية والتسليحية.
ومن المرجح أن يشهد التعاون بين البلدين خلال السنوات المقبلة توسعًا في مجالات التدريب وتبادل الخبرات والصناعات الدفاعية والطائرات غير المأهولة وأنظمة المراقبة والإنذار المبكر، وربما التصنيع المشترك لبعض المعدات، إذا توافرت الإرادة السياسية والتفاهمات الفنية والاقتصادية اللازمة.
وأخيراً، يمثل التدريب الجوي المصري – الصيني “نسور الحضارة 2026” أحد أبرز مظاهر التحول الذي تشهده العلاقات العسكرية بين القاهرة وبكين. فهو يعكس تطور التعاون من الاتصالات والزيارات الرسمية إلى التدريب العملياتي المشترك، ويمنح الطرفين فرصة لاختبار قدراتهما وتبادل خبراتهما في بيئة قتالية متقدمة.
وبالنسبة إلى مصر، ينسجم التدريب مع استراتيجية تنويع مصادر القوة والخبرة، وتعزيز استقلال القرار الوطني، وعدم الاعتماد على شريك واحد في بناء القدرات الدفاعية. كما يؤكد قدرة القاهرة على إقامة علاقات متوازنة مع مختلف القوى الكبرى، بما يخدم أمنها القومي ويحافظ على حرية حركتها في بيئة إقليمية ودولية شديدة الاضطراب.
إن “نسور الحضارة” ليس إعلانًا عن تغيير التحالفات المصرية، بقدر ما هو إعلان عن اتساع خيارات الدولة المصرية، وإدراكها أن حماية المصالح الوطنية في النظام الدولي المتغير تتطلب تنوع الشراكات، وتطوير القدرات الذاتية، والاستفادة من خبرات الشرق والغرب معًا.

