بقلم لواء دكتور / محمد الدسوقى
منصة مصرية لصناعة المستقبل وتعزيز الشراكات الدولية:
تستعد مدينة العلمين الجديدة لاستضافة فعاليات معرض العلمين الدولي للطيران والفضاء 2026، خلال الفترة من 8 إلى 10 سبتمبر 2026 بمطار العلمين الدولي، بمشاركة واسعة من القيادات الحكومية والعسكرية، والشركات العالمية، والخبراء والمتخصصين في مجالات الطيران المدني والعسكري والفضاء والصناعات الدفاعية.
ولا يمثل هذا الحدث مجرد معرض تقليدي للطائرات والمعدات، بل يشكل منصة دولية متكاملة تجمع بين العروض الجوية، والمنتديات العلمية، واللقاءات الرسمية، والتقنيات المتقدمة، وفرص التعاون التجاري والاستثماري، بما يعكس المكانة المتنامية لمصر في صناعات الطيران والفضاء والدفاع.
العلمين الجديدة ودلالة اختيار المكان:
يحمل اختيار مدينة العلمين الجديدة لاستضافة المعرض دلالة تتجاوز الجانب التنظيمي؛ فالمدينة أصبحت أحد أبرز نماذج التنمية العمرانية الحديثة التي تشهدها الدولة المصرية، وتحولت من منطقة ارتبطت تاريخيًا بالحرب العالمية الثانية إلى مدينة دولية حديثة تستضيف المؤتمرات والفعاليات الاقتصادية والثقافية والسياحية الكبرى.
ومن ثم، فإن استضافة معرض دولي للطيران والفضاء في العلمين تبعث برسالة واضحة مفادها أن مصر لا تكتفي بامتلاك التاريخ والموقع الجغرافي، وإنما تعمل أيضًا على صناعة مستقبلها من خلال التنمية والابتكار والتكنولوجيا والانفتاح على العالم.
كما يتمتع مطار العلمين الدولي بموقع استراتيجي بالقرب من المدينة والساحل الشمالي، ويشهد عمليات تطوير وتوسعة لاستيعاب الحركة الجوية المتزايدة، إلى جانب تجهيزه بالمرافق اللازمة لاستقبال الوفود والطائرات المشاركة، وتوفير مناطق للعرض الثابت وقاعات للمعارض والخدمات المصاحبة.
منتدى مستقبل تكنولوجيا الطيران والفضاء:
تبدأ فعاليات أسبوع المعرض يوم 7 سبتمبر 2026، أي قبل الافتتاح الرسمي للمعرض بيوم واحد، بانعقاد النسخة الثانية من منتدى مستقبل تكنولوجيا الطيران والفضاء في المدينة التراثية بمدينة العلمين.
ويمثل المنتدى منصة علمية متخصصة تجمع نخبة من قادة القوات الجوية، والمسؤولين الحكوميين، وقادة الصناعات الدفاعية، وممثلي هيئات الطيران المدني ووكالات الفضاء، والباحثين والخبراء من مختلف دول العالم.
ويهدف المنتدى إلى مناقشة مستقبل القوة الجوية وصناعات الطيران والفضاء، واستشراف الفرص والتحديات والمخاطر الناتجة عن الثورة التكنولوجية المتسارعة، خاصة في مجالات الذكاء الاصطناعي، والأنظمة ذاتية التشغيل، والحرب الإلكترونية، والعمليات الفضائية، ومقاتلات الجيل السادس.
وتأتي أهمية المنتدى في ظل التحولات الكبرى التي تشهدها طبيعة الحروب والتهديدات الدولية؛ فلم تعد القوة الجوية تعتمد على الطائرات المقاتلة فقط، وإنما أصبحت ترتبط بشبكات متكاملة تضم الأقمار الصناعية، والطائرات غير المأهولة، والذكاء الاصطناعي، وأنظمة القيادة والسيطرة، والاستطلاع والإنذار المبكر، والحرب الإلكترونية، وتحليل البيانات.
رؤية مصرية لمستقبل القوة الجوية:
من المقرر أن يفتتح المنتدى بكلمة رئيسية للفريق أول طيار عمرو عبدالرحمن صقر، قائد القوات الجوية المصرية، بعنوان: القوة الجوية كعامل تمكين للأمن الإقليمي – تحديث استراتيجي للقوات الجوية المصرية.
وتتناول الكلمة الرؤية المصرية لمستقبل القوة الجوية والفضائية، وأهميتها في دعم الأمن الإقليمي وتحقيق الردع والجاهزية العملياتية، إلى جانب تطوير القدرات المستقبلية وتعزيز التعاون الدفاعي الدولي.
وتكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة في ظل ما تشهده منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا من تحديات أمنية متسارعة، تشمل الصراعات المسلحة، والإرهاب، وانتشار الطائرات غير المأهولة، والتهديدات السيبرانية، واضطراب حركة الملاحة والممرات البحرية، والتنافس الدولي
على الموارد والنفوذ.
وبالتالي، لم يعد تحديث القوات الجوية خيارًا تكنولوجيًا فحسب، وإنما أصبح ضرورة استراتيجية لحماية المجال الجوي، وتأمين الحدود والمصالح الاقتصادية، والمحافظة على قدرة الدولة على مواجهة الأزمات والتهديدات التقليدية وغير التقليدية.
مشاركة دولية واسعة:
من المتوقع أن يشهد المنتدى والمعرض مشاركة قيادات عسكرية ومدنية وصناعية رفيعة المستوى من أكثر من 50 دولة، إلى جانب دعوة ما يزيد على 120 وفدًا رسميًا.
وتتضمن قائمة المشاركين ممثلين عن القوات الجوية ووزارات الدفاع والطيران المدني ووكالات الفضاء والهيئات التنظيمية، فضلًا عن شركات عالمية متخصصة في تصنيع الطائرات والمحركات وأنظمة الدفاع الجوي والفضاء والاتصالات والإلكترونيات.
كما يشارك في المنتدى عدد من القيادات الجوية من دول بينها إيطاليا وإسبانيا وفرنسا وباكستان والهند وتونس، إلى جانب مسؤولين من وكالة الإمارات للفضاء والهيئة العامة للطيران المدني في المملكة العربية السعودية.
وتتولى شركة لوكهيد مارتن رعاية منتدى القوات الجوية، فيما يدير جلساته الجنرال المتقاعد جاري نورث، نائب الرئيس التنفيذي للشركة، بما يعكس أهمية المنتدى بالنسبة إلى كبرى الشركات الدولية العاملة في صناعات الطيران والدفاع.
الموضوعات الرئيسية للمنتدى:
يتناول المنتدى مجموعة من القضايا التي ترسم ملامح مستقبل الطيران والفضاء، من أبرزها:
– مستقبل القوة الجوية والقدرات الدفاعية ومقاتلات الجيل السادس.
– تطبيقات الذكاء الاصطناعي والأنظمة ذاتية التشغيل.
– التكامل بين قطاعي الطيران المدني والعسكري.
– العمليات الفضائية ومتعددة المجالات.
– استخدام الأقمار الصناعية في الاتصالات والمراقبة والاستطلاع.
– مواجهة الطائرات غير المأهولة والتهديدات الجوية الجديدة.
– تعزيز التعاون الدولي والابتكار في صناعات الطيران والفضاء.
– إعداد الأجيال القادمة من الطيارين والمهندسين للتعامل مع تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
– تطوير قدرات القيادة والسيطرة والاتصالات والحواسب والاستخبارات
والمراقبة والاستطلاع.
– الأمن السيبراني وحماية البنية التحتية للطيران والمطارات.
وتكشف هذه الموضوعات عن تحول صناعة الطيران من الاعتماد على المنصات التقليدية
إلى منظومات رقمية مترابطة، تتكامل فيها الطائرات والأقمار الصناعية والمستشعرات والبرمجيات والذكاء الاصطناعي.
أرقام تعكس حجم الحدث:
وفقًا للبيانات التعريفية للمعرض، من المتوقع مشاركة أكثر من 250 عارضًا يمثلون ما يزيد على 50 دولة، واستقبال أكثر من 12 ألف زائر من المسؤولين والخبراء والمتخصصين.
كما يُنتظر مشاركة أكثر من 135 طائرة، من بينها نحو80 طائرة ضمن العرض الأرضي الثابت، وقرابة 55 طائرة تشارك في العروض الجوية، إلى جانب ثمانية فرق متخصصة في الألعاب الجوية وتنفيذ أكثر من 50 عرضًا جويًا.
وتمنح هذه المشاركة الواسعة الزوار فرصة للتعرف إلى أحدث الطائرات المدنية والعسكرية، والمروحيات، والطائرات غير المأهولة، وأنظمة الدفاع الجوي، والمحركات، والرادارات، ومنظومات الحرب الإلكترونية، وتقنيات المطارات، وأنظمة التدريب والمحاكاة.
برنامج الوفود رفيعة المستوى:
يمثل برنامج الوفود رفيعة المستوى أحد أهم مكونات المعرض؛ إذ يهدف إلى تنظيم لقاءات مباشرة بين الوفود الرسمية وقادة الشركات والمصنعين والمستثمرين، وفقًا لطبيعة احتياجات كل طرف والمنتجات والخدمات التي يقدمها العارضون.
ويتيح البرنامج للشركات المشاركة طلب عقد اجتماعات مع مسؤولي المشتريات والقيادات التشغيلية وصناع القرار، وتقديم ابتكاراتها وحلولها التكنولوجية بصورة مباشرة، بما يساعد على تحويل المشاركة في المعرض إلى فرص فعلية للتعاون والتعاقد والاستثمار، كما يوفر الحدث بيئة مناسبة لإقامة شراكات بين القطاعين العام والخاص، والتعاون بين الشركات المحلية والدولية، ومناقشة فرص التصنيع المشترك ونقل التكنولوجيا وتدريب الكوادر.
مجالات المشاركة في المعرض:
يغطي معرض العلمين الدولي للطيران والفضاء ثلاثة قطاعات رئيسية هي: الطيران المدني، والدفاع، والفضاء.
ففي قطاع الطيران المدني، تشمل المشاركة شركات تصنيع الطائرات والمحركات، وتجهيزات المقصورات الداخلية، وأنظمة الملاحة والقياس، والبنية التحتية للمطارات، والحلول الرقمية، وخدمات الصيانة والإصلاح والتجديد، والتمويل والاستثمار، وخدمات الركاب والسلامة والتدريب والمحاكاة.
أما في القطاع العسكري، فتشمل المعروضات الطائرات الحربية، وأنظمة الدفاع الجوي والصاروخي، والطائرات غير المأهولة، وأنظمة مكافحة الطائرات المسيّرة، والحرب الإلكترونية، والرادارات، والذخائر الموجهة بدقة، وأنظمة القيادة والسيطرة والاستطلاع، ومعدات الحماية الخاصة بأطقم الطائرات.
وفي قطاع الفضاء، يمتد نطاق المشاركة إلى الأقمار الصناعية، وأنظمة الاستقبال والاتصالات، ومراقبة الأرض والطقس، وتتبع الحطام الفضائي، والتحكم الأرضي، والملاحة، والتصوير وتحليل البيانات، ووسائط الإطلاق، وخدمات دعم وتخطيط المهمات الفضائية.
فرص أمام الصناعة المصرية:
يمثل المعرض فرصة مهمة لتطوير صناعة الطيران والفضاء في مصر، وتعزيز التواصل بين المؤسسات الوطنية والشركات العالمية، والاطلاع على أحدث اتجاهات التكنولوجيا والابتكار.
وتستطيع مصر من خلال هذا الحدث عرض قدراتها في مجالات صيانة الطائرات، والتصنيع الهندسي، والخدمات الأرضية، وإدارة المطارات، والاتصالات، والأقمار الصناعية، والطائرات غير المأهولة، إلى جانب بحث فرص توطين بعض الصناعات المتقدمة.
ولا ينبغي أن تقتصر الاستفادة المصرية على استيراد المعدات والأنظمة الحديثة، بل يجب أن تمتد إلى التفاوض حول نقل التكنولوجيا، والتصنيع المحلي، وتأهيل الكوادر، وإنشاء مراكز للبحث والتطوير، وإدماج الشركات الوطنية في سلاسل الإمداد الدولية.
كما يمكن للمعرض أن يسهم في تشجيع الجامعات والمراكز البحثية المصرية على تطوير برامج أكاديمية وتدريبية متخصصة في هندسة الطيران والفضاء والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والإلكترونيات المتقدمة.
البعد الاقتصادي والاستثماري:
لا تنفصل صناعات الطيران والفضاء عن الاقتصاد والتنمية؛ فهي من أكثر الصناعات اعتمادًا على المعرفة والتكنولوجيا، وتوفر فرص عمل عالية القيمة، وتدعم قطاعات متعددة مثل الاتصالات والنقل والسياحة والصناعة والطاقة والأمن.
ومن هنا، يمكن لمعرض العلمين أن يكون منصة لجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وتشجيع الشركات الدولية على إنشاء مراكز إقليمية للصيانة والتدريب والتصنيع داخل مصر، والاستفادة من موقعها الجغرافي واتفاقياتها التجارية وشبكة المطارات والموانئ التي تمتلكها.
كما يساهم تنظيم الحدث في الترويج لمدينة العلمين الجديدة باعتبارها وجهة دولية للسياحة والاستثمار والمؤتمرات، وليس مجرد مدينة موسمية على ساحل البحر المتوسط.
رسالة مصر إلى العالم:
يحمل معرض العلمين الدولي للطيران والفضاء 2026 رسالة واضحة مفادها أن مصر تسعى إلى أن تكون طرفًا فاعلًا في صياغة مستقبل الطيران والفضاء، وليس مجرد سوق مستهلكة للتكنولوجيا.
كما يؤكد قدرة الدولة المصرية على تنظيم الفعاليات الدولية الكبرى وفقًا للمعايير العالمية، وجمع القيادات العسكرية والمدنية والصناعية والبحثية من دول متعددة على أرضها، بما يعزز مكانتها بوصفها مركزًا إقليميًا للحوار والتعاون والابتكار.
وتتضاعف أهمية هذه الرسالة في وقت يشهد فيه النظام الدولي تحولات متسارعة، وتنافسًا متزايدًا على امتلاك التكنولوجيا المتقدمة، خاصة في مجالات الذكاء الاصطناعي والفضاء والطائرات غير المأهولة والحرب الإلكترونية.
وأخيراً، يمثل معرض العلمين الدولي للطيران والفضاء 2026 أكثر من مجرد تجمع للطائرات والشركات؛ فهو نافذة مصرية على مستقبل القوة الجوية والفضائية، ومنصة لتبادل الخبرات، وبناء الشراكات، وجذب الاستثمارات، وتوطين الصناعات المتقدمة.
ويعكس تنظيمه في مدينة العلمين الجديدة قدرة مصر على الجمع بين التنمية العمرانية والقوة التكنولوجية والدبلوماسية العسكرية والاقتصادية، كما يوفر فرصة حقيقية لفتح آفاق جديدة أمام الصناعة الوطنية والبحث العلمي والكوادر الشابة.
ويبقى نجاح المعرض مرهونًا بقدرتنا على تحويل اللقاءات والعروض والمناقشات إلى اتفاقيات ومشروعات عملية، تساهم في نقل التكنولوجيا وتعميق التصنيع المحلي وبناء قاعدة وطنية متقدمة في مجالات الطيران والفضاء والدفاع.
فالمستقبل لا تصنعه الموارد وحدها، وإنما تصنعه الدول القادرة على توظيف العلم والابتكار والشراكات الدولية في خدمة مصالحها الوطنية، وهو ما يسعى معرض العلمين الدولي للطيران والفضاء إلى تجسيده على أرض مصر.

