قهر الزوجة… حين يتحول البيت إلى ساحة صامتة للعنف النفسي

بقلم: دينا سيد نجم الدين
أخصائي الصحة النفسية واستشاري علاقات أسرية

تُبنى الأسرة على السكن والمودة والرحمة، لكن بعض البيوت تتحول مع مرور الوقت إلى بيئة يسودها الخوف والتوتر، ليس بسبب الفقر أو ضغوط الحياة، وإنما بسبب القهر النفسي الذي يمارسه أحد الزوجين تجاه الآخر. ويُعد قهر الزوجة من أخطر صور العنف الأسري، لأنه غالبًا يحدث في صمت، ويترك آثارًا عميقة قد تمتد لسنوات.

وقهر الزوجة لا يقتصر على الاعتداء الجسدي، بل يشمل الإهانة المستمرة، والتقليل من شأنها، والسخرية منها، والتحكم المفرط في قراراتها، والتهديد، والعقاب بالصمت، والحرمان العاطفي، وهي ممارسات قد تبدو للبعض بسيطة، لكنها مع تكرارها تُضعف الثقة بالنفس، وتؤثر في الصحة النفسية، وقد تقود إلى القلق أو الاكتئاب أو الشعور بالعجز.

ومن الناحية الأسرية، لا تتوقف آثار القهر عند الزوجة وحدها، بل تمتد إلى الأبناء الذين يتأثرون بما يشاهدونه داخل المنزل. فالطفل الذي ينشأ في بيئة يغيب عنها الاحترام والحوار، قد يواجه صعوبات في تكوين علاقات صحية مستقبلًا، وقد يتعلم أن العنف أو الإهانة وسيلة طبيعية لحل الخلافات، بينما قد ينسحب آخرون ويعانون ضعف الثقة بالنفس والخوف المستمر.

وقد أكد الإسلام على حسن معاملة الزوجة، وجعلها من علامات كمال الخلق. قال رسول الله ﷺ: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي»، كما أوصى بالنساء خيرًا، في رسالة واضحة تؤكد أن القوامة مسؤولية تقوم على الرحمة والعدل والرعاية، وليست وسيلة للسيطرة أو الإذلال.

إن الرجولة الحقيقية لا تُقاس بارتفاع الصوت أو فرض السيطرة، وإنما تُقاس بالقدرة على الاحتواء، وضبط الانفعال، واحترام شريكة الحياة. فالبيت الآمن لا يُبنى بالخوف، بل بالثقة، ولا يستمر بالإجبار، بل بالمودة والرحمة.

وفي المقابل، ينبغي ألا يُفهم الحديث عن قهر الزوجة على أنه دعوة إلى هدم الأسرة عند كل خلاف، فالحياة الزوجية لا تخلو من اختلافات ومواقف صعبة. لكن هناك فارقًا كبيرًا بين الخلاف الطبيعي الذي يمكن حله بالحوار، وبين الإساءة المتكررة التي تنتهك الكرامة وتهدد السلامة النفسية أو الجسدية، وهي ممارسات تستوجب التوقف عندها والسعي إلى الإصلاح، والاستعانة بالمختصين عند الحاجة.

إن بناء مجتمع سليم يبدأ من بناء أسرة سليمة، والأسرة السليمة تبدأ بعلاقة قائمة على الاحترام المتبادل. فكل كلمة طيبة تُقال داخل البيت هي استثمار في استقرار الأسرة، وكل إهانة تُلقى قد تترك أثرًا يصعب محوه.

ويبقى السؤال الذي يستحق أن يطرحه كل زوج على نفسه: هل تشعر زوجتي بالأمان في وجودي، أم بالخوف مني؟ فالإجابة عن هذا السؤال قد تكون نقطة البداية لإنقاذ أسرة كاملة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *