بقلم: ا.د. السيد الشربيني
الأستاذ بجامعة دمياط
في تلك المحاريب المقدسة التي تُصنع داخلها عقول الأمة وتُكتب بين جدرانها ملامح الغد، لم يعد الصمت الذي يهيمن على المدرجات وقاراً أكاديمياً معتاداً، بل تحول إلى حالة من الترقب المشوب بالأمل، يحمل في طياته انتظاراً لغدٍ أكثر استقراراً وإنصافاً؛ ومن وسط هذا المشهد الممتد، تتطلع عيون وقلوب الآلاف من علماء مصر وهيئاتها المعاونة اليوم، وبشغف غير مسبوق، صوب الرئيس عبد الفتاح السيسي؛ فالآمال المعقودة على سيادته لم تعد مجرد تطلعات فئوية تقليدية، بل غدت استغاثة واثقة ومباشرة بالقائد الذي يحمل مشاعل النور للعبور بالبلاد نحو المستقبل الآمن، وبالمشرّع الأعلى القادر على اتخاذ القرار الحاسم لاستئصال أزمة أساتذة الجامعات المزمنة من جذورها، ليضع حداً حاسماً للمسكنات البيروقراطية والوعود التي طال أمد انتظارها.
ويقين النخبة الأكاديمية لا يتزحزح في أن الرئيس الذي يبرهن في كل محفل على تقديره العميق لعقول مصر ولأهمية البحث العلمي كقاطرة أساسية لبناء الدولة الوطنية لن يرتضي استمرار النزيف الصامت للقدرات العلمية، أو بقاء علمائه تحت وطأة ظروف مادية ومعنوية طاردة؛ لا سيما وأن هذه الأزمة باتت تتحرك على الأرض كقضية وجودية تضرب الأمن القومي العلمى في مقتل، وتستدعي قرارات سيادية عاجلة تتجاوز الوتيرة الإجرائية المعتادة في أروقة المؤسسات التنفيذية والتشريعية، بدءاً من مجلس الوزراء ووزارة التعليم العالي، وصولاً إلى قبة مجلسي النواب والشيوخ.
هذا الاحتياج المصيري للحسم الرئاسي يتبدى بوضوح بمجرد النظر خلف ذلك البريق الزائف للتصريحات الدورية التي تزدحم بها شاشات التلفزيون وصفحات الصحف لمسؤولين حاليين وسابقين، وهم يروّجون لزيادات مرتقبة وهيكلة برّاقة للأجور؛ إذ يختبئ وراء هذا الاستعراض واقع معيشي قاصٍ يعيشه أصحاب الرداء الأكاديمي، ويلخصه لسان حالهم بأن الصبر قد نفد، وضاقت بهم السبل إلى حد لم يعد يتيح أي مساحة للاحتمال، بعدما تحول الخطاب الإعلامي إلى مجرد صدى لوعود جوفاء لا تترجم إلى أثر ملموس على الأرض؛ وما يزيد المرارة في نفوس العلماء، هو تلك الحملات الممنهجة من مقالات ومنشورات يكتبها من يجهلون تماماً طبيعة الهيكل المالي لقانون تنظيم الجامعات رقم 49 لسنة 1972، لينشروا الأكاذيب والشائعات التي تشوه صورة الأستاذ الجامعي وتظهره كمستغل مرفّه، مدفوعين بحالة غريبة من كراهية النخبة العلمية التي علمتهم يوماً ووضعتهم على طريق المعرفة.
وإذا أردنا فك شفرة هذا الواقع وتفنيد تلك الأكاذيب، فإن المرآة الحقيقية تكمن في قسوة الأرقام التي يتوارى خلفها الأساتذة؛ إذ تبخرت القيمة الشرائية للرواتب الفعلية من الهيئات المعاونة صعوداً إلى مرتبة الأستاذ الأكاديمي، وتآكلت أمام موجات التضخم المتلاحقة، وتحديداً بعد أن تذوب تلك الدخول تحت مقصلة الاستقطاعات من ضرائب وتأمينات وصناديق جامعية؛ إننا أمام مفارقة موجعة، حيث باتت قامات علمية أفنت عقوداً من عمرها في البحث والتأليف والنشر، تعجز اليوم عن تدبير التفاصيل البسيطة لحياة كريمة تحفظ للأستاذ هيبته ووقاره الأكاديمي، فضلاً عن تلك الغيمة القاتمة التي تظلل مستقبلهم عبر معاشات ضئيلة ومجحفة تنتظرهم عقب نهاية الخدمة، وتتركهم لمواجهة غدٍ يملؤه التوجس.
إن أخطر ما في هذه القضية ليس فقط عمقها المادي، بل هو عامل الوقت المهدور في أروقة اللجان والبيروقراطية الممتدة؛ فالتباطؤ الطويل في تطبيق حلول حقيقية وجذرية للمشكلة بات يُمثّل سيفاً مسلّطاً على رقاب أعضاء هيئة التدريس، حيث خلق هذا الانتظار المرير واليومي حالة من الإحباط والضغط النفسي غير المسبوق، وهز الاستقرار الذهني والمزاجي للعلماء؛ فالأستاذ والباحث يحتاج إلى تصفية ذهنية كاملة وراحة نفسية ليبدع وينتج بحثاً علمياً يخدم وطنه، وبدلاً من ذلك، بات مستهلكاً نفسياً في التفكير في الغد وكيفية موازنة أعبائه المعيشية وسط دوامة ممتدة من التأجيل والمماطلة.
وتكمن المفارقة الصارخة هنا في أن الدولة المصرية في عهد الرئيس السيسي شهدت ثورة حقيقية وغير مسبوقة في التوسع العمراني التعليمي؛ عبر تأسيس الجامعات الأهلية، والتكنولوجية، وأفرع الجامعات الدولية لفتح آفاق المستقبل للشباب؛ ولكن هذا الطموح القومي الكبير لبناء منشآت حديثة، بات مهدداً إذا لم يُصاحبه استثمار مباشر وسريع في الإنسان الأكاديمي الذي يشغل هذه المنشآت؛ فالقاعات والمختبرات الذكية لن تؤتي ثمارها بدون أستاذ جامعي مستقر نفسياً ومادياً؛ ومن هنا يأتي اليقين بأن الرئيس الذي رعى طفرة البناء، هو وحده القادر بلمسته الإنسانية والقيادية والسيادية على رعاية العلماء وحمايتهم من التآكل الاقتصادي وحملات التشويه، ورفع سيف الوقت المسلط على رقابهم ليعيد للنخبة الأكاديمية استقرارها؛ تجنباً لسيناريو مظلم قد يؤدي إذا ما استمر التجاهل البرلماني والحكومي إلى خلو قاعات العلم ومختبراته من قاماته الحقيقية، لتستيقظ الدولة قريباً على مبانٍ حديثة لكنها بلا عقول ثقيلة، أو لا تجد في مدرجاتها إلا الضعاف ومحدودي القدرات العلمية ممن لم يجدوا بديلاً آخر.
وهنا تبرز المسؤولية التاريخية والمصيرية لأعضاء مجلسي النواب والشيوخ، والذين بات عليهم استخدام أدواتهم الرقابية والتشريعية لفتح هذا الملف فوراً تحت قبة البرلمان، والعمل بالتنسيق مع مجلس الوزراء ووزير التعليم العالي لترجمة الرؤية الاستراتيجية للدولة إلى تشريعات وقرارات استثنائية عاجلة تعيد هيكلة الأجور والمعاشات؛ إن استثمار الدولة في الأستاذ الجامعي وحفظ كرامته ليس رفاهية فئوية، بل هو خط الدفاع الأول عن بناء الأجيال، والوضع الحالي لم يعد يحتمل المسكنات الجوفاء.
إن ثقة أعضاء هيئة التدريس بالجامعات المصرية في رئيسهم لا تنبع من فراغ، بل من إيمان راسخ برمز وإيقونة هذه الأمة، القائد الذي يستشعر دوماً نبض أبناء وطنه، ويتحسس همومهم بقلب الإنسان والقائد الحكيم؛ وسوف يكتب التاريخ في أروع صفحاته، عن هذا التدخل الرئاسي الحاسم؛ بوصفه الجسر الحقيقي الذي سيعبر بمصر نحو الجمهورية الجديدة، تلك الجمهورية التي لا تُبنى بالمنشآت فقط، وإنما تُصنع وتزدهر بحضارة علمية يقودها علماؤها الأجلاء، الذين تُحفظ كرامتهم وتُصان مكانتهم بإرادة سياسية عليا تؤمن بأن العلم هو عماد الوطن وقوته الحقيقية.

