سنوات من البناء والعطاء في طب أسوان من تأسيس البنية الأكاديمية إلى القوافل الطبية نحو أفريقيا

أحمد بدوي: يكتب

في تاريخ المؤسسات، تبقى بعض المراحل مرتبطة بأسماء أصحابها، ليس لأنهم شغلوا مواقع قيادية فحسب، وإنما لأنهم تركوا خلالها بصمات واضحة في مسيرة العمل، وأسهموا في بناء ما يستمر بعد انتهاء المسؤولية.

وتأتي مسيرة الأستاذ الدكتور محمد زكي الدهشوري في كلية الطب ومستشفيات جامعة أسوان نموذجًا لهذه التجربة، بعدما أمضى نحو ثماني سنوات في قيادة كلية الطب، بدأت بتوليه مهام العمادة قائمًا بالأعمال، ثم تولى العمادة بقرار جمهوري لفترتين متتاليتين، خلال الفترة من 2019 حتى 2026.
وترتبط مسيرته بمرحلة مهمة من تطور كلية الطب، التي صدر القرار الجمهوري بإنشائها في عهد الأستاذ الدكتور منصور كباش، وتولى عمادتها في بداياتها عدد من القامات الأكاديمية، من بينهم الأستاذ الدكتور عصام ندى والأستاذ الدكتور حسين الشريف، قبل أن يتولى الدهشوري مسؤولية قيادتها في مرحلة شهدت توسعا في بنيتها الأكاديمية والتعليمية.

تأسيس أكاديمي وبناء مؤسسي

خلال فترة توليه مسؤولية الكلية، ركز الدكتور محمد زكي الدهشوري على دعم البنية الأكاديمية والتعليمية، والعمل على تأسيس مقر لكلية الطب بمجمع مباني كلية الآداب، إلى جانب تجهيز المعامل وقاعات الدراسة، وتطوير البيئة التعليمية بما يتناسب مع متطلبات التعليم الطبي الحديث.
وشهدت الكلية توسعًا في عدد أقسامها الأكاديمية، لتضم أكثر من 32 قسمًا، بما أسهم في تعزيز قدراتها التعليمية والتدريبية،والعمل علي دعم منظومة إعداد الأطباء بجامعة أسوان.
ولم يكن هذا التطور منفصلًا عن الرؤية الأوسع للارتقاء بمنظومة التعليم الطبي، والتي تقوم على التكامل بين الدراسة الأكاديمية والتدريب الإكلينيكي داخل المستشفيات الجامعية.

التي شهدت توسعات تواكب احتياجات المرضى،بل امتدت جهود الدهشوري إلى منظومة مستشفيات جامعة أسوان، بالتعاون مع الدكتور أشرف معبد، المدير التنفيذي للمستشفيات الجامعية، والأطقم الطبية والتمريضية والإدارية والعاملين.

وشهدت المستشفيات الجامعية خلال السنوات الماضية توسعات وتطورات في البنية العلاجية، أسهمت في اتساع نطاق الخدمات المقدمة لأهالي أسوان وجنوب الصعيد، لتضم المنظومة مستشفى أسوان الجامعي، ومستشفى الباطنة التخصصي الجديد، ومستشفى العظام، ومستشفى الطوارئ والاستقبال.
وتعكس هذه التوسعات توجهًا نحو بناء منظومة طبية جامعية متكاملة تجمع بين التعليم الطبي والتدريب والخدمة العلاجية، بما يعزز دور الجامعة في خدمة المجتمع المحلي.

مركز عزيمة امتداد للرسالة الإنسانية

ومن المشروعات التي ارتبطت بهذه المرحلة إنشاء مركز «عزيمة» لعلاج الإدمان بمدينة أسوان الجديدة بالتعاون مع وزارة التضامن الاجتماعي والجهات المعنية، ليكون أحد مراكز «عزيمة» على مستوى الجمهورية.
ويمثل المركز جانبًا آخر من رسالة الجامعة في خدمة المجتمع، من خلال الإسهام في مواجهة مشكلة الإدمان وتوفير خدمات العلاج والتأهيل، بما يتجاوز الدور الأكاديمي التقليدي للجامعة إلى المشاركة في معالجة القضايا المجتمعية.

طب أسوان يعبر الحدود إلى أفريقيا

لم تقتصر جهود الدكتور محمد زكي الدهشوري على العمل داخل الجامعة، بل امتدت إلى القارة الأفريقية من خلال المشاركة وقيادة القوافل الطبية التي قدمت خدمات علاجية في عدد من الدول الأفريقية.
وشارك في أكثر من ست قوافل طبية، كان لدولة تنزانيا نصيب بارز منها من خلال أكثر من ثلاث قوافل، في إطار الدور الطبي والإنساني لكلية الطب بجامعة أسوان وتعزيز جسور التعاون مع الدول الأفريقية.
وكان من أبرز محطات هذه المشاركات تكريم وزير الصحة التنزاني للدكتور محمد زكي الدهشوري والوفد الطبي المرافق بمقر وزارة الصحة التنزانية، تقديرًا للجهود الطبية والإنسانية التي قدمتها القوافل.
وبذلك أصبحت القوافل الطبية إحدى النوافذ التي عبرت من خلالها كلية الطب بجامعة أسوان إلى محيطها الأفريقي، حاملة رسالة علمية وطبية وإنسانية تتجاوز حدود المحافظة والدولة.
أستاذ وطبيب وقائد والإنسان أولًا
ورغم تعدد مواقع المسؤولية وتنوع الملفات التي تولى إدارتها، فإن الجانب الإنساني ظل أحد أبرز ملامح شخصية الدكتور محمد زكي الدهشوري، فهو أستاذ جامعي في تخصص جراحات المسالك البولية والتشوهات الذكورية، جمع بين الخبرة الأكاديمية والممارسة الطبية، واستطاع أن يحافظ خلال سنوات المسؤولية على علاقات إنسانية قريبة مع زملائه وطلابه والأطباء والمرضى.

وكان حاضرًا في مواقف عديدة بالدعم والمساندة، حريصًا على مساعدة الأطباء والوقوف إلى جوار المرضى، وهو ما جعل صورته لدى كثيرين تتجاوز حدود العميد أو الأستاذ إلى صورة الإنسان القريب من الجميع.
وتبقى هذه القدرة على الجمع بين العلم والقيادة والإنسانية من أبرز ملامح تجربته؛ فالقائد الحقيقي لا تقاس قيمته فقط بما يصدره من قرارات، وإنما بما يتركه من أثر فيمن عملوا معه.

المنصب ينتهي والأثر يبقى

ومع ختام فترة عمادته لكلية الطب، تنتهي مرحلة إدارية، لكن ما تحقق خلالها يظل جزءًا من تاريخ الكلية، ومستشفياتها.
فالمباني والمعامل والقاعات والأقسام والتوسعات يمكن توثيقها بالأرقام، بينما تبقى المواقف الإنسانية في ذاكرة الأشخاص الذين عايشوا التجربة.
وهنا تتجاوز سيرة الدكتور محمد زكي الدهشوري حدود المنصب إلى معنى أعمق؛ معنى أن يعمل الإنسان في موقع المسؤولية وهو يدرك أن المنصب مؤقت، بينما الأثر هو ما يبقى.
لقد أمضى سنوات في بناء وتطوير منظومة طبية وتعليمية، وحمل رسالة كلية الطب إلى خارج الحدود، وشارك في خدمة المرضى والمجتمع، وفي الوقت نفسه حافظ على حضوره الإنساني بين زملائه وطلابه.
غادر مقعد العميد، لكن أثر سنواته في طب أسوان سيظل حاضرًا في المكان، وفي أجيال من الأطباء، وفي ذاكرة كل من شاركه رحلة العمل والعطاء.
فالمناصب تتغير، والقيادات تتعاقب، لكن ما يُبنى بإخلاص يبقى ،هكذا تظل مسيرة محمد زكي الدهشوري فصلًا مهمًا في حكاية طب أسوان؛ فصلًا عنوانه العلم، وملامحه البناء، وروحه الإنسان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *