بقلم: د مروه رضوان
رئيس التحرير
اعتدتُ كلما أمسكت قلمي أن أكتب عن حدثٍ هزَّ مشاعري، أو موقفٍ ترك أثرًا في وجداني، أو قضيةٍ استوقفتني فأثارت بداخلي الرغبة في التعبير عنها، وكثيرًا ما كتبت عن شخصيات أثرت في بشكلٍ أو بآخر، فدفعتني تجربتي معها إلى توثيق ما رأيته من مواقف أو قيم تستحق أن تُروى.
لكنني هذه المرة أجد نفسي أمام تجربة مختلفة تمامًا، فأنا لا أكتب عن شخص أثَّر فيَّ فقط، ولا عن تجربة شخصية تخصني بمفردي، بل أكتب عن إنسان استطاع أن يترك بصمته في قلوب كل من عرفه، وأن يصنع أثرًا جميلًا في نفوس كل من اقترب منه أو تعامل معه.
أكتب عن شخصية لم تكن مصدر إلهام لشخص واحد، بل كانت مصدر راحة وأمل وعون لعشرات وربما لمئات الأشخاص، شخصية اجتمع على محبتها الناس على اختلاف أعمارهم ومكاناتهم، ليس لمالٍ أو منصبٍ أو جاه، وإنما لما وجدوه فيها من صدقٍ ونبلٍ وإنسانيةٍ نادرة.
وحين تتفق القلوب على محبة إنسان، وتتكرر الشهادات في حقه من كل من عرفه، يصبح الحديث عنه واجبًا أدبيًا وإنسانيًا قبل أن يكون مجرد مقال؛ لذلك وجدت نفسي هذه المرة أكتب عن رجلٍ استثنائي، جعل من جبر الخواطر رسالة حياة، ومن خدمة الناس طريقًا يسير فيه دون كلل أو انتظار لمقابل…. إنه الأستاذ “سعيد قطب” .
فهناك أشخاص نلتقيهم فتمر الأيام وتنساهم الذاكرة، وهناك أشخاص يتركون في الروح أثرًا لا يمحوه الزمن مهما طال، أشخاص لا تملك أمامهم إلا أن تقف احترامًا وتقديرًا، لأنهم ببساطة نماذج إنسانية أصبحت عملة نادرة في هذا الزمن.
ومن بين هؤلاء يأتي الأستاذ “سعيد قطب” ، ذلك الرجل الذي يصعب أن تصفه الكلمات مهما اجتهدت الأقلام، لأن الحديث عن الأخلاق والقيم والإنسانية لا تكفيه السطور ولا المقالات.
يكفي أن تراه لأول مرة لتدرك أن الله قد منحه قبولًا خاصًا بين الناس… وجه بشوش يفيض نورًا وطمأنينة، ونظرة صادقة تحمل من الحكمة والإيمان ما يجعل من يجلس إليه يشعر، وكأنه أمام أخ كبير أو أب حنون أو صديق مخلص يعرفه منذ سنوات طويلة كنت.
الأستاذ “سعيد قطب” ليس مجرد رجل محترم أو صاحب خلق كريم، بل هو مدرسة متكاملة في العطاء دون مقابل، رجل جعل من خدمة الناس رسالة يومية، ومن جبر الخواطر عبادة يتقرب بها إلى الله، بيته مفتوح ليلًا ونهارًا لكل صاحب مظلمة، ولكل مهموم أثقلته الحياة، ولكل إنسان يبحث عن كلمة حق أو نصيحة صادقة.
كم من خلاف انتهى على يديه في جلسات عرفية كان عنوانها الحكمة والعدل والإنصاف، وكم من مشكلة ظن أصحابها أنها مستحيلة الحل فوجدوا لديه بابًا للأمل ومخرجًا من الضيق، وكم من فتاة يتيمة امتدت إليها يد الخير والعون حتى أتم الله زواجها بفضل جهوده ومساعيه المباركة.
ما يميزه حقًا أنه لا يتعامل مع الناس من موقع المتفضل عليهم، بل من موقع الأخ المحب الذي يحمل هموم الآخرين وكأنها همومه الشخصية، لا يعرف الاعتذار بحجة التعب، ولا يغلق بابه بحجة الانشغال، ولا يختبئ خلف المواعيد أو الظروف.
ومن تجربتي الشخصية، أستطيع أن أقول إنني لم أعرف في حياتي شخصًا يمتلك هذه القدرة العجيبة على تحويل الحزن إلى أمل، واليأس إلى طاقة إيجابية، والضيق إلى راحة نفسية.
فكم من مرة قطعتُ المسافة من القاهرة إلى الإسكندرية، متحملةً عناء السفر وطول الطريق، فقط لأجلس معه بضع ساعات، أذهب إليه مثقلةً بالهموم والمشكلات وأعباء الحياة، فيستقبلني بسعة صدره المعهودة، ويستمع إليَّ بكل اهتمام وصبر، دون ملل أو ضجر، وكأن حديثي هو الأمر الأهم في يومه، فهو يمتلك بفضل الله، قدرة استثنائية على احتواء الآخرين؛ فما إن أجلس إليه حتى أشعر أن شيئًا من الطمأنينة يتسلل إلى قلبي، كان يمتص كل ما بداخلي من حزن وتوتر وطاقة سلبية، ثم يعيد إليَّ الأمل والثقة والراحة النفسية، بكلمة صادقة، أو نصيحة مخلصة، أو دعاء يخرج من قلب محب، لأعود من لقائه أخفَّ حملًا، وأكثر يقينًا، وأشد إيمانًا بأن لكل ضيق فرجًا، ولكل عسر يسرًا بإذن الله.
لم يكن يقدم حلولًا فقط، بل كان يمنح شعورًا بالأمان، كان يدلني على الطريق الصحيح، ويزرع بداخلي اليقين بأن الفرج قريب، وأن الله لا يضيع عباده الصادقين.
وأعترف بكل صدق أن زوجي حين عرفني على الأستاذ سعيد قطب، عرفني على واحد من أنبل وأنظف القلوب التي قابلتها في حياتي. أخ وصديق ورجل دين من الطراز الرفيع، جمع بين العلم والأخلاق والتواضع والرحمة في صورة قلما نجدها في زماننا.
إن الحديث عن هذا الرجل ليس مجرد حديث عن شخص، بل هو حديث عن قيمة إنسانية عظيمة ما زالت موجودة بيننا. عن رجل اختار أن يعيش للناس، وأن يجعل من خدمة الآخرين طريقًا إلى رضا الله، في زمن أصبح فيه كثير من الناس يركضون خلف مصالحهم الخاصة، يظل الأستاذ “سعيد قطب” نموذجًا نادرًا للإنسان الذي اختار أن تكون سعادته في إسعاد الآخرين، وراحته في راحة الناس، وفرحته الحقيقية في أن يرى دمعة حزن قد تحولت إلى ابتسامة أمل على وجه إنسان أنهكته الحياة.
أمثال هذا الرجل لا تُقاس قيمتهم بالمناصب ولا بالألقاب ولا بما يملكون من مال أو جاه، وإنما بما يتركونه من أثر طيب في القلوب. فهناك أناس يعيشون سنوات طويلة دون أن يتركوا ذكرًا، وهناك أناس يمرون في حياة الآخرين فيصنعون فرقًا لا يُنسى، ويبنون في الأرواح جسورًا من المحبة والامتنان تبقى ما بقي العمر.
وحين نتأمل سيرة أشخاص من هذا الطراز الإنساني الراقي، نتذكر قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾، وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾، وقوله جل وعلا: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾.
كما نتذكر قول النبي ﷺ: «أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس»، وقوله ﷺ: «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه»، وقوله ﷺ: «من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته». وكأن هذه الكلمات النبوية تصف رجالًا جعلوا خدمة الناس منهجًا للحياة ورسالة يومية لا تنقطع.
لقد عرفت في الأستاذ سعيد قطب رجلًا إذا استمعت إليه شعرت أن الدنيا ما زال فيها خير كثير، وإذا جلست معه أحسست أن الإنسانية ما زالت بخير، وإذا رأيت حرصه على الناس أيقنت أن القلوب النقية ما زالت موجودة رغم قسوة الأيام. رجل لا ينتظر شكرًا ولا يبحث عن شهرة، وإنما يعمل بصمت المؤمنين الذين يرجون ما عند الله وحده.
وإذا كانت بعض الوجوه تلفت الانتباه لجمالها، فإن وجه الأستاذ سعيد قطب يلفت القلوب بما يحمله من بشاشة وطمأنينة وصدق ومحبة. ذلك النوع من البشر الذي يمنحك راحة نفسية قبل أن يتحدث، ويمنحك أملًا قبل أن يقدم لك حلًا، وتشعر معه أن الله قد أرسل إليك إنسانًا يحمل في قلبه رحمة واسعة للناس جميعًا.
ولعل أعظم ما يمكن أن يُقال عنه أنه من أولئك الذين تمر أسماؤهم على القلوب فتدعو لهم دون تكلف، لأن محبتهم تسكن الأرواح قبل العقول. رجال إذا ذُكروا ذُكرت معهم المروءة، وإذا حضروا حضرت معهم الحكمة، وإذا غابوا تركوا فراغًا لا يملؤه أحد.
نسأل الله أن يحفظ الأستاذ سعيد قطب، وأن يبارك في عمره وصحته وأهله، وأن يجعل كل قلب جبره، وكل معروف صنعه، وكل خطوة خطاها في سبيل الإصلاح بين الناس، نورًا له يوم يلقى الله. وأن يرزقه من واسع فضله كما رزق غيره من دفء كلماته وطيب أخلاقه ونبل مواقفه.
فأمثال هؤلاء لا يُكرَّمون بالكلمات وحدها، لأن الكلمات مهما بلغت من البلاغة تبقى أقل من أن توفيهم حقهم، لكن يكفيهم أنهم تركوا في قلوب الناس دعوات صادقة تخرج من أعماق الروح، وأن الله سبحانه وتعالى يعلم ما قدموه للخلق وما بذلوه من وقت وجهد وعطاء.
وإن كان لكل إنسان رصيد في هذه الدنيا، فإن رصيد الأستاذ سعيد قطب الحقيقي ليس مالًا ولا منصبًا، بل قلوب أحبته، وأرواحًا دعا لها، وبيوتًا أصلح بينها، ودموعًا مسحها، وخواطر جبرها، وأحزانًا خففها. وذلك هو الرصيد الذي يبقى، وذلك هو الأثر الذي لا يموت، وذلك هو النجاح الحقيقي الذي لا تصنعه الدنيا بل تصنعه الأخلاق.
فإذا كان الله سبحانه وتعالى قد جعل لبعض عباده مفاتيح للخير ومغاليق للشر، فإن الأستاذ سعيد قطب – كما عرفه الناس وعرفته بنفسي – واحد من هؤلاء الذين يفتح الله بهم أبواب الرحمة والألفة والإصلاح. رجل كلما ضاقت السبل بالناس وجدوا عنده سعة صدر، وكلما أثقلتهم الهموم وجدوا عنده كلمة طيبة تداوي القلوب قبل العقول.
وسيظل اسمه محفورًا في ذاكرة كل من عرفه، ليس لأنه طلب ذلك يومًا، بل لأن القلوب الصادقة لا تنسى من أحسن إليها، ولا تنسى من أخذ بأيديها في لحظات الانكسار، ولا تنسى من كان سندًا وعونًا ونورًا في أوقات الشدة.
بعض الرجال يتركون أموالًا وعقارات، وآخرون يتركون مناصب وألقابًا، أما الأستاذ سعيد قطب فقد ترك في قلوب الناس شيئًا أثمن من كل ذلك… ترك أثرًا طيبًا، وسيرةً عطرة، ودعواتٍ صادقة لا تنقطع.
حفظ الله الأستاذ سعيد قطب، وجعل محبة الناس له شهادة صدق في الأرض، وجعل سيرته الطيبة وعطاءه الممتد وجبره لخواطر الخلق في ميزان حسناته، يوم يلقى ربًا كريمًا لا يضيع أجر من أحسن.
وفي الختام، اعتدتُ في كل مقال أكتبه أن أضع صورتي الشخصية في نهايته، كنوع من التوقيع البصري على ما أكتب، لكن هذه المرة، أستأذنكم أن أغيّر هذا التقليد.
أستأذنكم أن تكون صورة هذا الرجل الكريم هي الختام، لأنني أرى أنه أحق منّي بأن يُختتم به هذا المقال. فهو ليس مجرد شخصية عابرة في حياتي، بل هو إنسان ترك في داخلي وفي داخل كل من عرفه أثرًا لا يُنسى، وأعاد لنا معنى النقاء، والاحتواء، وجبر الخواطر في أبهى صوره.
فإن كانت الصورة تعبيرًا عن الكلمات، فصورته هو أصدق تعبير عن المعنى الذي حاولت أن أكتبه هنا.


خالص الشكر والتقدير والاحترام لحضرتك دكتورة