بقلم: أ.د. فتحي الشرقاوي
استاذ علم النفس جامعة عين شمس
أعرف منين اذا كان الشخص الذي اتعامل معه مغرور ام واثق من نفسه،فكثيرًا ما تختلط على الناس الحدود الفاصلة بين الثقة بالنفس والغرور، فكلاهما قد يبدو في ظاهره قوة وحضور واعتداد بالنفس، لكن الفارق الحقيقي بينهما لا يكمن في ارتفاع الصوت أو قوة الشخصية أو القدرة على فرض الرأي وإنما في الطريقة التي يرى بها الإنسان نفسه ويرى بها الآخرين والحياة من حوله، الثقة بالنفس حالة نفسية صحية تقوم على معرفة وتقدير الإنسان لقدراته وحدوده بينما الغرور في كثير من صوره محاولة لتعويض هشاشة داخلية من خلال تضخيم الذات والتقليل من الآخرين ومن هنا يمكن رصد عدد من الفروق الجوهرية:
أولًا:
الشخص الواثق من نفسه يعرف جيدا نقاط قوته وضعفه، بينما المغرور يصنع لنفسه صورة مثالية، والواثق من نفسه لا يحتاج إلى اختراع إيجابيات غير موجودة في شخصيته، بل يعرف ما يجيده وفي الوقت نفسه لا يخجل من الاعتراف بما ينقصه. لذلك يستطيع أن يقول ببساط لا أعرف أو أخطأت أو أحتاج إلى مساعدة، بينما المغرور فيحتاج باستمرار للمحافظة على صورة مثالية أمام الآخرين، فنجده يبالغ في قدراته وينسب إلى نفسه صفات قد لا يمتلكها وقد يجد صعوبة في الاعتراف بالجهل أو العجز، فالإنسان المتوازن لا يحتاج إلى أن يكون كاملًا حتى يشعر بقيمته.
ثانيًا:
الشخص الواثق يرى الحياة مكسبًا وخسارة،بينما المغرور يعتبرها معركة، علاوه على انه يدرك أن الحياة لا تسير وفق قاعدة الفوز الدائم، هناك مواقف ننجح فيها وأخرى نفشل فيهاوأشياء نكسبها وأخرى نفقدها، لذلك فإن الخسارة بالنسبة إلي الواثق ليست حكم نهائي على قيمته، وإنما خبرة يمكن التعلم منها وإعادة توظيفها في محاولة جديدة ،بينما الشخص المغرور يتعامل مع كثير من المواقف باعتبارها معركة شخصية يجب أن ينتصر فيها بأي ثمن، لذلك فإن خسارته لا تكون مجرد خسارة موقف، بل قد يشعر بها باعتبارها إهانة لذاته، هنا تتحول المسألة من مجرد اختلاف في النتائج إلى تهديد لصورة الذات فيصبح الاعتراف بالهزيمة أمرًا بالغ الصعوبة، وقد تظهر مشاعر الغضب أو العداء أو الرغبة في الانتقام.
ثالثًا:
الشخص الواثق يحاورك بالعقل والمغرور يحاورك بانفعاله الواثق من نفسه لا يرى اختلاف الرأي تهديدًا لوجوده. يستطيع أن يستمع إلى وجهة نظرك، ويناقش حججك، بل وقد يغير رأيه إذا اكتشف أن حجتك أكثر قوة، أما المغرور فقد يتعامل مع مخالفة رأيه وكأنها مخالفة لشخصه،لهذا قد يتحول الحوار معه سريعًا من مناقشة الفكرة إلى الدفاع عن الأنا، إن القدرة على الاستماع، وتحمل النقد، وتأجيل الانفعال، وإعادة النظر في الموقف كلها مؤشرات أكثر دلالة على النضج النفسي من مجرد القدرة على فرض الرأي، فليس قويًا من ينتصر في كل نقاش، وإنما الأقوى هو من يستطيع أن يقول ربما كنت مخطئًا دون أن يشعر بأن قيمته قد انهارت.
رابعًا:
الشخص الواثق يتحمل مسؤولية أخطائه والمغرور يبحث عن شماعة من أبرز العلامات الفارقة بين الشخصيتين أن الواثق من نفسه يستطيع مواجهة أخطائه دون الحاجة المستمرة إلى تبريرها، إذا أخطأ، قال أخطأت وإذا قصّراعترف بتقصيره،أما المغرور فغالبًا ما يجد تفسيرًا خارجيًا لسقطاته مثل الظروف والآخرون وسوء الحظ والمؤامرات وعدم تقدير الناس له.
خامسًا:
الشخص الواثق لا يحتاج إلى تسخين و تحقير الآخرين كي يشعر بقيمته، وهذه ربما تكون من أهم العلامات فالواثق من نفسه يستطيع أن يرى نجاح الآخرين دون أن يشعر بأن نجاحهم ينتقص منه،أما المغرور فقد يحتاج إلى التقليل من الآخرين حتى يحافظ على إحساسه بالتفوق،الواثق يقول هو أفضل مني في هذا المجال، بينما المغرور فيميل إلى القول هو ليس أفضل مني وإنما الظروف هي التي خدمته، الأول يمتلك مساحة داخلية تسمح له بالاعتراف بتفوق الآخر بينما الثاني يشعر أن الاعتراف بميزة الآخر تهديد مباشر لقيمته الذاتية
ا.د فتحي الشرقاوي
أستاذ علم النفس جامعة عين شمس

