أحمد بدوي يكتب :
بين عجز المدرسين بمعهد فتيات العركي الازهري وبين ضياع عام دراسي، فتيات القرية يستغثن لإنقاذ حقهن في التعليم الأزهري هناك قضايا تُكتب عنها الأخبار،وقضايا أخرى ينبغي أن تُكتب عنها الضمائر،وهذه واحدة منها. الحكاية في قرية العركي بمحافظة قنا، تقف 54 فتاة على عتبة عام دراسي جديد، يحملن شهاداتهن الابتدائية، ويحملن معها حلما بسيطا لا يحتاج إلى كثير من الشرح،أن يواصلن تعليمهن في معهد فتيات العركي الأزهري، وأن ينتقلن إلى الصف الأول الإعدادي، كما ينتقل أقرانهن إلى مرحلة جديدة من العمر والعلم والأمل في القري والنجوع المجاورة .
لكن الحلم، الذي كان يبدو قريبًا ومتاحًا، وجد نفسه فجأة أمام جدار من الإجراءات والظروف. وبحسب ما أفاد به أولياء الأمور، فقد تم عرض أمر التحاق الطالبات بالصف الأول الإعدادي على إدارة المعهد، لتأتي الإفادة بأن المشكلة ليست في كثافة الطالبات، وإنما في وجود عجز في المدرسين بمختلف التخصصات.
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية،هل يدفع الطالب ثمن العجز؟
السؤال ليس اتهامًا لأحد، وإنما هو سؤال يفرض نفسه على كل مسؤول يملك القدرة على اتخاذ القرار.
إذا لم تكن هناك كثافة تمنع قبول الطالبات، فهل يصبح عجز المدرسين سببًا في حرمان 54 فتاة من مقاعد الدراسة؟
وإذا كان العجز قائمًا بالفعل، فأين الحل؟
هل يُطلب من الطالبة أن تدفع ثمن مشكلة ليست مسؤولة عنها؟وهل يكون مستقبلها الدراسي هو الحلقة الأضعف في معادلة العجز والموارد والإمكانات؟إننا نتحدث عن 54 فتاة فقط؛ رقم قد يبدو صغيرًا في دفاتر الإدارات، لكنه في الحياة ليس رقما على الإطلاق، إنه 54 حلمًا، 54 أمًا وأبًا ينتظرون أن يروا بناتهم وهن يحملن حقائبهن إلى المعهد الازهري، 54 أسرة وضعت ثقتها في التعليم الأزهري،54 مستقبلًا يمكن أن يكون بينهن المعلمة والطبيبة والمهندسة والداعية والباحثة وصاحبة الرسالة.
وهنا يصبح الرقم إنسانا ويصبح القرار مسؤولية.
العركي،حيث يجاور القرآن أحلام البنات
وللمشهد خصوصيته في قرية العركي، التي تُعرف بين أهلها باهتمامها بحفظ القرآن الكريم، وتعلق أبنائها وبناتها بالتعليم الأزهري،فكيف يكون المشهد حين تكون الفتاة قد أتمت مرحلتها الابتدائية،ونجحت وحملت شهادة تؤهلها للانتقال إلى المرحلة الإعدادية، ثم تجد الطريق إلى المعهد الذي اختارته أسرتها لها مغلقا بسبب عجز المدرسين،من حيث المبدأ وماهي آلية البحث عن حلول؟إنها مفارقة تستحق التأمل.قرية تحب القرآن، وفتيات يحلمن بالأزهر الشريف ،ثم يصبح مقعد الدراسة هو الشيء الأصعب في الوصول إليه.
رسالة إلى فضيلة الإمام الأكبر.
من هنا ترتفع استغاثة فتيات العركي إلى فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف.
ولا تأتي هذه الاستغاثة بحثًا عن استثناء أو مجاملة، وإنما طلبًا للإنصاف، وإيمانًا بأن بيتًا بحجم الأزهر لا يغلق بابه في وجه أبنائه وبناته إذا كانت هناك إمكانية حقيقية لإيجاد الحل.
إن أبناء الأزهر يعرفون أن فضيلة الإمام الأكبر يحمل مسؤولية مؤسسة عريقة، ويعرفون أيضًا أن تفاصيل الواقع قد لا تصل دائمًا إلى أعلى درجات المسؤولية.
ولهذا فإن صوت هؤلاء الفتيات يستحق أن يصل.
افتحوا الملف.. اسمعوا الأهالي.. تحققوا من الأمر.. وابحثوا عن الحل.
فإذا كان العجز في المدرسين هو المشكلة، فلتكن هناك حلول لسد العجز، لا حلول لإغلاق أبواب التعليم أمام الطالبات.
الأزهر الذي علّم العالم قادر على حل مشكلة 54 فتاة، الأزهر الشريف ليس مجرد مؤسسة تعليمية؛ إنه تاريخ طويل من العلم، ومنارة دينية وعلمية امتدت رسالتها إلى مختلف أنحاء العالم.
وإذا كان الأزهر يفتح أبوابه للعلماء والطلاب والطالبات من شتى البلدان، فإن بنات العركي لا يطلبن أكثر من أن يجدن لأنفسهن مكانًا داخل هذه المنارة التي ينتمين إليها وطنًا وثقافةً وهوية.
والقضية هنا ليست في عدد الطالبات، ولا في مساحة فصل، ولا في بضعة مقاعد،القضية في المعنى، حين تشعر فتاة صغيرة أن باب التعليم قد أُغلق أمامها، فإنها لا ترى وراء الباب قرارًا إداريًا؛ إنها ترى مستقبلها كله معلقًا.
لا تجعلوا العجز قدرًا من حق الإدارة أن تبحث عن الإمكانات،ومن حق المسؤول أن يضع الضوابط، ومن حق المؤسسة أن تضمن جودة العملية التعليمية، لكن في المقابل،من حق الطالبة أن تجد من يبحث لها عن حل.
العجز مشكلة إدارية،أما ضياع مستقبل الطالبة فمأساة إنسانية، والفرق بين الاثنين أن المشكلة الإدارية يمكن علاجها بقرار، بينما قد يصعب علاج أثر الإحباط في نفس فتاة شعرت ذات يوم أن حلمها بالتعليم أكبر من قدرتها على الوصول إليه.
كلمة أخيرة أوجها الي أصحاب القرار، لا نكتب هذه السطور لإدانة أحد، ولا لتوجيه الاتهام إلى مؤسسة أو مسؤول.
نكتبها لأن هناك 54 فتاة ينتظرن إجابة، والإجابة لا تحتاج إلى خطب طويلة،بل تحتاج إلى أن يُفتح الملف،وأن تُراجع الإجراءات،وأن تُعرف حقيقة العجز، وأن تبحث الجهات المختصة عن مخرج قانوني وإداري يضمن حق الطالبات في التعليم.
فإذا كان هناك حل، فليكن سريعًا،وإذا كانت هناك عقبة فلتُرفع،وإذا كان هناك عجز، فليُعالج.
أما أن تظل 54 فتاة معلّقات بين الحلم والواقع، فهذا هو الأمر الذي يستحق أن نتوقف أمامه طويلا،إن مقعدًا دراسيًا قد يبدو شيئًا صغيرًا في عين المسؤول، لكنه قد يكون في عين فتاة صغيرة بداية الطريق إلى مستقبل كامل. وفتيات العركي لا يطلبن المستحيل،إنهن فقط يقلن
«نريد أن نتعلم»فهل يجد هذا النداء من يسمعه؟
وهل تصل هذه الكلمات إلى فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر وإلى أصحاب القرار في منظومة التعليم الأزهري بمحافظة قنا، قبل أن يتحول حلم 54 فتاة من حلمٍ بالتعليم إلى ذكرى مؤلمة عن بابٍ كان يمكن فتحه؟
إنصافهن اليوم، قد يصنع مستقبلًا لا نعرف غدًا كم سيكون عظيما،ويظل الأمل قائما في أن تتحول هذه الاستغاثة إلى مراجعة عاجلة وقرار منصف وحل عملي يعيد الفتيات إلى مقاعد الدراسة، ويحفظ للأزهر صورته كمنارة لا يُغلق بابها في وجه طالب علم.

