أحمد بدوي :يكتب
مع إعلان نتائج الثانوية العامة، تتجدد أحلام آلاف الأسر المصرية، ويتحول «المجموع» إلى رقم ينتظره الجميع باعتباره مفتاح المستقبل، خاصة أمام حلم الالتحاق بكليات الطب والهندسة، ولكن وسط فرحة النجاح، يظل سؤال مهم يفرض نفسه، هل يعكس مجموع الثانوية العامة دائمًا حقيقة قدرات الطالب واستعداده للتخصص الذي يلتحق به؟
السؤال لا ينتقص من قيمة الثانوية العامة، ولا يشكك في الطلاب الذين حصلوا على درجاتهم بجدارة، لكنه يفتح بابًا ضروريًا للنقاش حول فلسفة القبول الجامعي.
المشكلة تبدأ عندما يتحول المجموع من وسيلة لقياس التحصيل إلى غاية في حد ذاته، ويصبح الحصول على أعلى رقم ممكن هدفًا يتجاوز قيمة العلم. والأخطر حين يدخل الغش، بمختلف صوره، على خط المنافسة، فينتقص من حق الطالب المجتهد ويضرب مبدأ تكافؤ الفرص.
فالدرجة غير المستحقة لا تنتهي بانتهاء الامتحان؛ قد تتحول إلى مقعد جامعي، ثم إلى شهادة، وربما إلى مسؤولية مهنية تتعلق بحياة إنسان أو سلامة منشأة.
وهنا تصبح المسألة أكثر حساسية في كليات مثل الطب والهندسة، فالطبيب لا يحمل مجرد شهادة، وإنما يحمل مسؤولية عن صحة الإنسان وحياته، والمهندس لا يحمل لقبًا فقط، وإنما يتحمل مسؤولية عن منشآت ومشروعات وسلامة أرواح.
ومن هنا يطرح السؤال نفسه،هل ينبغي أن يكون مجموع الثانوية العامة هو المعيار الوحيد للقبول في بعض الكليات، أم يمكن أن يكون أحد المعايير إلى جانب اختبارات قدرات؟
اختبارات تقيس، وفق طبيعة كل تخصص، الفهم والتحليل والاستيعاب وحل المشكلات والتفكير المنطقي، إلى جانب المهارات العلمية واللغوية ذات الصلة.
الفكرة ليست إلغاء التنسيق، ولا وضع عقبات جديدة أمام الطلاب، وإنما وضع الطالب المناسب في التخصص المناسب،بشرط أن تكون الاختبارات عادلة وشفافة وموحدة، وألا تتحول إلى سوق جديدة للدروس الخصوصية.
كما أن علينا أن نعيد النظر في ثقافة المجتمع التي تختصر النجاح في اسم كلية بعينها.
فالطالب الذي لا يدخل الطب ليس فاشلًا، والذي لا يلتحق بالهندسة ليس أقل قيمة، والمجتمع لا يبنى بتخصص واحد، وإنما بكل عقل ويد ومهنة تؤدي دورها بكفاءة.
نحن لا نحتاج فقط إلى أطباء ومهندسين أكثر عددًا، وإنما إلى خريجين أكثر كفاءة.
وفي النهاية، ربما آن الأوان لأن ننتقل من سؤال،من حصل على أعلى مجموع؟إلى سؤال أكثر أهمية،من يمتلك أعلى استعداد وكفاءة لهذا التخصص؟ فالمجموع قد يفتح الباب، لكن العلم والكفاءة والضمير هي التي تصنع الإنسان الجدير بالمسؤولية.
ومن لجنة الامتحان إلى بوابة الجامعة، يجب أن يكون هدفنا واضحا،أن نكافئ الاجتهاد، ونحمي تكافؤ الفرص، ونضع الكفاءة فوق المجموع.

