حين تتحول الأخت من رحمٍ واحد… إلى جرحٍ لا يلتئم

بقلم: اللواء سعيد حمادي 

رئيس مجلس إدارة جريدة الجمهورية الجديدة 

ليس كل من جمعنا بهم الدم، جمعنا بهم القلب ففي بعض البيوت، وبعد رحيل الأب، لا يبدأ الحزن الحقيقي على الفقد… بل تبدأ النفوس في كشف ما كانت تخفيه، وتظهر الوجوه على حقيقتها، بلا أقنعة، بلا مواربة، وبلا رحمة.

وهناك نوع من البشر لا يرى في المصيبة درسًا، ولا في الفقد عبرة، ولا في الأخوّة حرم؛ بل يرى في ضعف الآخرين فرصة، وفي انكسارهم بابًا مفتوحًا للسيطرة، وفي غياب السند مساحة لفرض سطوته، وكأن القلوب خُلقت لتُكسر تحت قدميه.

إنها تلك الشخصية القاسية التي لا تهدأ إلا إذا أثارت نزاعًا، ولا تشعر بقوتها إلا إذا أذلّت، ولا ترتاح نفسها إلا حين ترى من حولها في خصام ووجع وتشتت.

شخصية تتقن إشعال الفتن، وتنسج الخلافات بخيوط من مكرٍ وصبرٍ طويل، وتُلقي بكلماتها كمن يُلقي شرارة في حقل جاف، ثم تقف بعيدًا تتأمل الحريق وكأنها بريئة من نارٍ كانت أول من أوقدها.

قلبها لا يعرف اللين، ولسانها سليط لا يرحم، وقراراتها كثيرًا ما تُصنع بروح الغل والحقد لا بروح الحكمة؛ فإذا غضبت بطشت، وإذا خاصمت أهانت، وإذا أرادت فرض رأيها دهست مشاعر من أمامها بلا تردد، وكأن القسوة عندها صارت لغة، والتجبر صار طبعًا، والخصومة صارت هواءً تتنفسه.

وما يزيد الصورة قسوة، أن يمتد هذا الجفاء إلى ابناءها المعاقين الذين هم من المفترض أقرب الناس إليها وأشدهم احتياجًا للرحمة؛ أبناء يحتاجون حضنًا وسندًا وعناية مضاعفة، فإذا بهم يواجهون قسوة لا تشبه الأمومة، وجفاءً لا يليق بضعفهم، وتركًا موجعًا يضاعف آلامهم بدل أن يخففها.

فحين تُغلَب الرحمة في القلب، لا يعود الضعيف محل عطف، بل يصبح عبئًا يُتخلّى عنه بمنتهى الجبروت، وكأن المشاعر قد جفّت، وكأن نداء الفطرة قد خفت حتى صار لا يُسمع.

والأشد قسوة… أنها لا تكتفي بإيلام من يختلف معها، بل قد تمتد آثار شدتها إلى النفوس الهشة والقلوب المرهقة، فتزيدها كسرًا فوق كسر، وتحمّلها ما لا تحتمل، وتتعامل مع ضعف الآخرين كأنه تفصيل لا قيمة له، غير مدركة أن الكلمة قد تهدم نفسًا، وأن القرار الخاطئ قد يترك أثرًا لا يُمحى.

ولعل أكثر ما يوجع في الحكاية، أن البيت لم يدفع ثمن الخصومة خلافًا عابرًا أو جرحًا معنويًا فقط، بل عرف فاجعة فقدٍ لا تُنسى؛ رحل شاب في مقتبل العمر، في الثالثة والعشرين من عمره، تاركًا وراءه قلب أم مكسورًا، وبيتًا ناقص الروح، وأسئلة معلقة لا تنام.

رحل بعدما أثقلته أيام قاسية، واستنزفته الضغوط، وأرهقه ما دار حوله من نزاعات ومواقف مؤلمة وقرارات لم تُراعِ هشاشته ولا احتياجه إلى الرحمة والاحتواء.

وهناك خسائر لا تُعوَّض، لأن الراحل لا يعود، ولأن أثر الغياب يظل يسكن تفاصيل البيت طويلًا، شاهدًا صامتًا على أن القسوة حين تتجاوز حدودها، تترك في الأرواح ندوبًا لا يمحوها الزمن.

الأخت التي كان يُنتظر منها أن تكون حضنًا بعد رحيل الأب إلى تتحول مصدر خوف، بدلًا من أن تكون أمانًا… وإلى جدار صلب يصطدم به الجميع، بدلًا من أن تكون كتفًا يُستند عليه الضعفاء.

وما أقسى أن يكون الألم آتيًا ممن كان الأولى به أن يداوي، وأن يصبح الجرح على يد من كان يفترض أن يكون بلسمًا.

حينها يفهم الإنسان أن القرابة ليست دائمًا رحمة، وأن بعض الأرواح، مهما اقتربت دمًا، قد تكون أبعد الناس قلبًا.

فليس أشد وجعًا من عدو تعرفه… إلا قريبٍ كان يفترض به أن يحبك، فاختار أن يرهقك بدلًا من أن يرحمك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *