بقلم: أ.د. السيد الشربيني
استاذ التصميم بقسم التربيه الفنيه في كليه التربية النوعيه جامعة دمياط
بين أمواج إعصار خارجي يعيد رسم خريطة المنطقة الجيوسياسية، وبوابة زمنية تقترب متسارعة من محطة عام 2030 وهي المحطة التي حددها الرئيس عبد الفتاح السيسي سلفاً كأفق لولايته يقف الشارع المصري أمام سؤال جوهري وحرج؛ مَن يقود سفينة الوطن وسط هذا الطوفان الإقليمي والعالمي؟ إن قراءة الواقع تكشف أن الجبهة السياسية الداخلية تواجه تراجعاً هيكلياً حرجاً؛ حيث تعيش البلاد حالة من العقم الحزبي عبر كيانات مفرغة من المضمون، يعلو ضجيج مؤتمراتها المصنوعة بالمال السياسي بينما قواعدها والعدم سواء، تحميها مظلة قانونية تُسمى القائمة المغلقة المطلقة؛ ومن رحم هذه المخاوف بالذات، تنطلق دعوات سياسية ملحة ترى حتمية أن يتراجع الرئيس السيسي عن قراره بالابتعاد، ليتولى قيادة المرحلة المقبلة ومواجهة المخططات الدولية التي تتطلب رجل دولة بخلفية عسكرية صلبة قادرة على حماية الأمن القومي.
إن الرهان على قوة القيادة وحدها لا يكفي دون وجود ظهير سياسي داخلي صلب. وهنا يصطدم الطموح بالواقع الأليم للحياة الحزبية الراهنة في مصر. ويكشف النقد الدستوري والسياسي الحاد لآليات تشكيل مجلسي النواب والشيوخ أن نظام الانتخاب بالقائمة المغلقة المطلقة قد تحول إلى مظلة حماية تشريعية أسهمت في صعود تكتلات برلمانية افتراضية دون معارك انتخابية شعبية حقيقية.
بسبب هذا التدليل التشريعي، جُردت الأحزاب من مبررات بقائها الفعلي وتحولت إلى مجرد لافتات صامتة بلا قواعد، حتى بات وجودها والعدم سواء لعدم قدرتها على التعبئة المستقلة؛ ويؤكد أساتذة العلوم السياسية أن هذه الكيانات لو رُفعت عنها يد الحماية، وتُركت لتواجه الصندوق عبر النظام الفردي الخالص, لعجزت تماماً عن إحراز الأغلبية نتيجة تفتت الشارع وغياب أي ولاء حقيقي لها لدى الناخب المصري.
لا تتوقف الأزمة عند حدود العجز عن حشد الأصوات، بل تتعداها إلى تجويف بنيوي أعمق؛ إذ تحولت هذه الكيانات إلى ظواهر صوتية مفرغة من الفكر والبرامج. ولأنها لا تملك حضوراً فاعلاً، لجأت إلى تعويض غيابها بالاعتماد الكامل على سياحة المؤتمرات المصنوعة والممولة سلفاً؛ حيث تُحشد المقاعد واللافتات عبر آليات الدفع المالي المباشر أو الوجاهة العائلية لتخرج لقطة الصورة مبهرة، بينما الحقيقة الصادمة أن القاعة خاوية من أي وعي حزبي حقيقي؛ هذا التجويف الهيكلي حوّل الحزب من محضن للأفكار الوطنية الكبرى إلى مجرد شركة علاقات عامة موسمية تنشط إبان الانتخابات، ثم تدخل في بيات شتوي طويل عاجزة حتى عن تنظيم ندوة توعوية واحدة ذات أثر ملموس.
وهنا يبرز السؤال الأكثر إحراجاً؛ إذا كانت هذه الأحزاب عاجزة تنظيمياً عن خوض معركة برلمانية شعبية، فكيف لها أن تكون قادرة على إعداد وتصدير مرشح رئاسي لإدارة بلد بحجم مصر في الاستحقاقات المقبلة؟ الجواب الواقعي هو لا؛ فالانتخابات الرئاسية ليست مقاعد برلمانية يتم تقاسمها خلف الأبواب المغلقة، بل هي محك وطني يتطلب شخصية كاريزمية ورجل دولة يحوز ثقة الملايين ويدير علاقات دولية بالغة التعقيد؛ إن عجز الأحزاب عن صناعة صف اول وثانٍ وثالث من القادة يعكس فشلها التلقائي في تقديم البديل الرئاسي، ويبرر مخاوف الشارع المشروعة ودعواته الصريحة بضرورة بقاء الرئيس الحالي وتخليه عن قرار الرحيل.
أمام هذا الانسداد السياسي والتفتت الذي يضم عشرات الكيانات الهشة، لم يعد الحل يحتمل المسكنات، بل يتطلب مراجعة شاملة لآليات إدارة الملف السياسي، والتخلي نهائياً عن القوانين التي تخدم بقاء الكيانات الضعيفة؛ ويتمثل البديل العملي والجريء في إجراء تعديل جذري لقانون الأحزاب السياسية لتقليصها وفرض نظام الحزبين الكبيرين فقط، على غرار النماذج الديمقراطية العريقة.
هذا التحول التشريعي يستهدف إنهاء التفتت عبر دمج الكيانات الصغيرة القريبة في الأيديولوجيا قسراً تحت لواء كتلتين رئيسيتين كبيرتين، مما يمنحهما ثقلاً ووزناً حقيقياً في الشارع، ويقطع الطريق نهائياً على ظاهرة أحزاب المقاولات الفردية والمال السياسي؛ ومن شأن هذه الثنائية القوية أن تفتح الباب أمام السياسيين للدخول في فترة معايشة واحتكاك حقيقي بالواقع الميداني والوطني، ليتعلموا ويمارسوا فعلياً معنى الدولة بعيداً عن المكاسب المؤقتة؛ وبمرور الوقت، سيكون بمقدور هذين الحزبين تفريخ قيادات حقيقية ورجال دولة يمتلكون الرؤية العميقة لطرح أنفسهم كمنافسين حقيقيين في الاستحقاقات الكبرى.
رغم أن الدولة استبقت هذا المشهد وطرحت مسارات بديلة لتأهيل الكوادر وحملة الدكتوراه عبر برامج مكثفة بالأكاديمية العسكرية لإيجاد خيارات قيادية متعددة بحلول عام 2030، إلا أن أسس الفكر السياسي تؤكد أن المطبخ الحزبي يظل هو الأصل والأساس في الأنظمة السياسية المستقرة؛ وبناءً على ذلك، فإن نظام الحزبين لن يكون طوق النجاة الفوري والمسكن السريع للانتخابات الرئاسية القادمة مباشرة نظراً لضيق الوقت وتلاحم الأحداث الجيوسياسية، لكن هذا النظام يُمثل خطة إنقاذ استراتيجية للمستقبل بعيد المدى، والجسر الآمن للانتقال من مرحلة الأكذوبة الحزبية إلى مرحلة السياسة المسؤولة.
إن قراءة اللوحة الكاملة للمشهد المعقد تفرض في النهاية حقيقة واحدة لا تقبل الجدال؛ قوة مصر في مواجهة المخططات العالمية تبدأ من صلابة وقوة جبهتها الداخلية؛ وإن إصلاح مسار الحياة الحزبية والانتخابية لم يعد ترفاً سياسياً، بل هو خطوة شجاعة وجريئة لتمهيد الطريق من الآن نحو صناعة رجال دولة حقيقيين للمستقبل، لتظل الجبهة الداخلية ظهيراً حقيقياً قوياً يحمي أمن الوطن ويصون سيادته أمام أي عواصف قد تأتي بها الأيام.

