بقلم : أحمد بدوي
في ظل الجدل الدائر حول مشروع قانون الأسرة الجديد، تتباين الآراء وتتصارع وجهات النظر بين من يراه انتصارًا لحقوق المرأة والطفل، ومن يعتبره إعادة صياغة لمعادلة الأسرة المصرية بصورة قد تحتاج إلى مزيد من التوافق المجتمعي. وبين هذا وذاك، يظل السؤال الأهم،هل تكمن أزمة الأسرة المصرية في القوانين وحدها، أم أن الواقع الاجتماعي أصبح أكثر تعقيدًا من أن تعالجه النصوص القانونية بمفردها.
لقد جاءت الشريعة الإسلامية بمنظومة متكاملة لحماية الأسرة وصيانة حقوق المرأة والرجل والأبناء على حد سواء، فجعلت العدل أساس العلاقة، والرحمة روحها، والتكافل ركيزتها، والتعاون طوق النجاة لنجاح العلاقة الزوجية ،ولم يكن الهدف من التشريع يوما تغليب طرف على آخر، وإنما إقامة ميزان يحقق الاستقرار ويحفظ الحقوق ويمنع التجاوزات التي تحدث احيانا من الطرفين.
وعندما نقرأ مواد قانون الأسرة الجديد، سواء فيما يتعلق بالحضانة أو الولاية التعليمية أو حق الفسخ أو الرؤية، نجد أن المشرع يحاول مواكبة التحولات الاجتماعية التي شهدها المجتمع المصري خلال العقود الأخيرة. غير أن هذه التحولات نفسها تفرض علينا النظر إلى ما هو أبعد من نصوص القانون.
فالمرأة المصرية اليوم تواجه تحديات متشابكة لم تكن مطروحة بنفس الحدة قبل سنوات. فهناك المرأة المعيلة التي تتحمل وحدها أعباء تربية الأبناء بعد الانفصال أو وفاة الزوج وتصبح أرملة تعاني الوحدة والفقد وظروف المعيشة الصعبة،وهناك المرأة التي تخوض معارك قضائية طويلة للحصول على حقوقها أو حقوق أطفالها، وهناك أيضًا المرأة التي تجد نفسها بين ضغوط الحياة الاقتصادية ومتطلبات الأسرة والعمل، في واقع اجتماعي يزداد قسوة يوما بعد يوم.
وفي المقابل، هناك آباء يشعرون بأن بعض التشريعات السابقة لم تمنحهم مساحة كافية للمشاركة الفعلية في حياة أبنائهم بعد الانفصال، وهو ما يفسر حالة الجدل المصاحبة لأي تعديل يتعلق بالحضانة أو الرؤية أو الولاية. وهنا تبرز أهمية البحث عن حلول تحقق العدالة دون أن تتحول العلاقة بين الأب والأم إلى معركة قانونية يكون الأبناء فيها الضحية الأولى، مع فقدان قيم الترابط الأسري والقدوة بين الآباء والابناء.
لكن الحقيقة الأكثر مرارة أن الأزمة لم تعد قانونية فقط، بل أصبحت أزمة ثقافة ووعي ومفاهيم اجتماعية. فقد شهدت السنوات الأخيرة ارتفاعًا ملحوظًا في معدلات الخلافات الأسرية ومعدلات الطلاق ،وتراجعا في ثقافة الحوار داخل كثير من البيوت، بالتزامن مع التأثير المتزايد لوسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي التي أعادت تشكيل مفاهيم الزواج والأسرة والعلاقات الإنسانية بصورة غير مسبوقة.
لقد أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي مصدرا رئيسيا لتشكيل الرأي العام، لكنها في أحيان كثيرة ساهمت في تعميق الفجوة بين الرجل والمرأة من خلال محتوى يقوم على الإثارة والاستقطاب وإبراز النماذج السلبية وتضخيم الخلافات الأسرية. وتحولت بعض المنصات إلى ساحات لتبادل الاتهامات وإثارة الكراهية بين الجنسين، بدلاً من تعزيز قيم الشراكة والتفاهم والتكامل التي تقوم عليها الأسرة السوية.
كما فرضت هذه المنصات معايير جديدة للحياة الزوجية تقوم على المقارنات المستمرة والمظاهر الاستهلاكية والصور المثالية غير الواقعية، الأمر الذي خلق حالة من عدم الرضا لدى كثير من الأزواج والزوجات، وزاد من حجم الضغوط النفسية والاجتماعية داخل الأسرة المصرية.
ومن هنا، فإن الحديث عن حقوق المرأة لا ينبغي أن يقتصر على نصوص القانون فقط، بل يجب أن يمتد إلى معالجة المشكلات الحقيقية التي تعاني منها المرأة في الواقع؛ من الضغوط الاقتصادية، والعنف الأسري، وضعف الوعي القانوني، والتحديات التربوية، فضلاً عن الحاجة إلى تمكينها اجتماعيا واقتصاديا بما يحفظ كرامتها ويعزز دورها كشريك أساسي في بناء الأسرة والمجتمع.
وفي الوقت ذاته، فإن حماية المرأة لا تعني إقصاء الرجل أو الانتقاص من دوره، كما أن تعزيز حقوق الأب لا يجب أن يكون على حساب الأم. فالشريعة الإسلامية والعرف المصري الأصيل يقومان على مبدأ التوازن والتكامل لا الصراع والمواجهة.
إن قانون الأسرة الجديد يمثل خطوة مهمة في مسار تطوير التشريعات الأسرية، لكنه لن يكون العصا السحرية القادرة وحدها على حل جميع المشكلات. فالقوانين تنظم العلاقات وتحفظ الحقوق، لكنها لا تصنع المودة والسكن ولا تزرع الرحمة ولا تعالج تراجع القيم أو ضعف الوعي أو آثار الضغوط الاقتصادية والاجتماعية المتزايدة.
ويبقى التحدي الحقيقي أمام المجتمع المصري هو إعادة بناء ثقافة الأسرة ذاتها، وترسيخ قيم الاحترام والمسؤولية المشتركة والحوار والتسامح، حتى تستعيد الأسرة دورها الطبيعي باعتبارها الحصن الأول للأبناء، والركيزة الأساسية لاستقرار المجتمع.
فإنقاذ الأسرة المصرية لا يبدأ من قاعات المحاكم وحدها، بل يبدأ من داخل البيوت، ومن المدارس والمساجد والكنائس ووسائل الإعلام، ومن خطاب مجتمعي يؤمن بأن المرأة والرجل شريكان في البناء، وأن الأبناء أمانة مشتركة، وأن استقرار الأسرة هو استقرار للوطن بأكمله.

