الصكوك الضريبية ما لها وما عليها ؟!

بقلم الخبير الاقتصادي: الدكتور عبد المنعم السيد

تفتح فكرة الصكوك الضريبية باب جديد أمام إدارة الديون العامه المصرية ليس فقط باعتبارها وسيلة لتوفير سيولة عاجلة للخزانة، وإنما باعتبارها محاولة لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص في إدارة التدفقات النقدية. فالفكرة تقوم على أن يقدم الممول جزءًا من التزاماته الضريبية المستقبلية ويحصل في المقابل على عائد أو ميزة مالية، على أن تستخدم قيمة الصك لاحقًا في تسوية التزاماته الضريبية المستقبلية.
بمعني استبدال الضريبه المستحقة مستقبليا بضريبه حاليه تسدد في الخزانه العامه
من حيث المبدأ تبدو الفكرة جذابة للدولة فالخزانة تحصل على أموال في الوقت الحالي بدلًا من انتظار تحصيلها مستقبلًا، وهو ما يمكن أن يقلل الاحتياجات التمويلية ويحد من اللجوء إلى الاقتراض المحلي خصوصًا إذا تم توجيه هذه السيولة إلى سداد أو إعادة تمويل أدوات دين مرتفعة التكلفة. وهنا تتحول الصكوك من مجرد أداة لتحسين السيولة إلى أداة لإدارة الدين العام وخفض تكلفة خدمته.

ولاشك ان في ظل استمرار الضغوط المرتبطة بالدين العام في مصر فرغم انخفاض الدين العام من 97.2% من الناتج المحلي الإجمالي في العام المالي 2023/2024 إلى 83 % في 2026 /2025. مع استمرار استهداف خفضه بصورة تدريجية خلال السنوات المقبلة. لكن التحدي الحقيقي لا يتعلق بحجم الدين فقط، بل بتكلفة خدمته واحتياجات إعادة تمويله، وهو ما يجعل تخفيف الاعتماد على الاقتراض المحلي هدفًا اقتصاديًا مهمًا.

وهنا يظهر أحد أهم الآثار المحتملة للصكوك الضريبية على الاقتصاد ككل. فالحكومة عندما تحصل على جزء من التمويل من الممولين مباشرة، قد تحتاج إلى اقتراض أقل من البنوك. وإذا أعادت البنوك توجيه الموارد التي كانت ستستخدم في تمويل الحكومة إلى الشركات والمشروعات، فإن الصكوك يمكن أن تخلق مساحة ائتمانية جديدة متاحه للقطاع الخاص، بما يدعم الاستثمار والتوسع الإنتاجي والتشغيل.

وبمعنى آخر، يمكن أن تبدأ دورة اقتصادية جديدة: سيولة أكبر لدى الخزانة، اقتراض حكومي أقل من البنوك، تمويل أكبر للقطاع الخاص، استثمارات جديدة، زيادة الإنتاج والتشغيل، ثم توسع القاعدة الضريبية وارتفاع الحصيلة مستقبلًا.

لكن هذه الصورة الإيجابية لها جانب آخر لا يقل أهمية، وهو تأثير الصكوك على سيولة الشركات. فالشركة التي تشتري الصك ستدفع أموالًا من خزينتها اليوم مقابل الاستفادة منه في تسوية التزام ضريبي مستقبلي. ولذلك فإن الصك لا يخلق سيولة جديدة للشركة، بل قد يؤدي في البداية إلى سحب جزء من السيولة المتاحة لديها.

وهنا تصبح المسألة أكثر تعقيدا لأن السيولة بالنسبة للشركات ليست مجرد أموال راكده
وإنما هي الوقود الذي يمول رأس المال العامل وشراء المواد الخام والمخزون وسداد الموردين والأجور وتمويل التوسعات. ولذلك فإن الشركة ستتخذ قرار شراء الصك بناءً على مقارنة دقيقة بين العائد أو الخصم الذي تحصل عليه، وبين العائد الذي يمكن أن تحققه إذا استخدمت السيولة في نشاطها الأساسي.

فإذا كانت الشركة تمتلك فوائض نقدية غير مستغلة، وكان العائد الفعلي للصك جذابًا، فقد يمثل الصك فرصة استثمارية وإدارة جيدة للسيولة. أما إذا كانت الشركة تحتاج إلى السيوله لتوسيع مصنع أو شراء معدات أو زيادة الإنتاج، فقد يكون الاحتفاظ بالسيولة أكثر فائدة من تقديمها مقدمًا للخزانة.
كما ان العامل النفسي والثقة باعتبارهما عنصرين أساسيين في نجاح التجربة. فالشركة لن تنظر فقط إلى نسبة الخصم أو العائد، وإنما ستسأل: هل ستظل قواعد استخدام الصك مستقرة؟ هل سيكون مقبولًا بالكامل عند حلول الالتزام الضريبي؟ هل يمكن تحويله أو تسييله؟ وهل يمكن الاعتماد عليه في التخطيط المالي لعدة سنوات

لان كلما زادت درجة اليقين والثقة في النظام ارتفعت جاذبية الصك. ولذلك فإن الاستقرار التشريعي والوضوح المحاسبي والضريبي سيكونان على الأرجح أكثر أهمية من مجرد الإعلان عن عائد مرتفع

أما الحصيلة الضريبية، فهي من أكثر النقاط التي تحتاج إلى قراءة دقيقة. فالصكوك لا تعني بالضرورة زيادة الحصيلة الضريبية، كما أنها لا تعني بالضرورة انخفاضها بالقيمة الاسمية. ما يحدث أساسًا هو تغيير توقيت التحصيل: الدولة تحصل اليوم على جزء من الأموال التي كانت ستحصل عليها مستقبلًا.

لكن إذا منحت الدولة الممول خصمًا أو عائدًا مقابل الدفع المبكر، فإن هناك تكلفة مالية لهذه العملية. وبالتالي فإن السؤال الحقيقي هو: هل القيمة الاقتصادية للسيولة التي حصلت عليها الدولة مقدمًا، وما وفرته من فوائد، أكبر من تكلفة الخصم أو العائد الذي ستتحمله الخزانة؟

إذا كانت الإجابة نعم، تكون الصكوك قد حققت وفرًا حقيقيًا. أما إذا كانت تكلفة الصك مساوية أو أعلى من تكلفة الاقتراض البديل، فإن الأثر سيكون في الأساس إعادة ترتيب زمني للسيولة، وليس خفضًا حقيقيًا في تكلفة التمويل.

لكن هناك سيناريو أكثر إيجابية، وهو أن يؤدي انخفاض الاقتراض الحكومي من البنوك إلى زيادة التمويل المتاح للقطاع الخاص. فإذا استخدمت الشركات هذا التمويل في الاستثمار والتوسع، فإن الاقتصاد سيحقق زيادة في الإنتاج والأرباح والتشغيل والصادرات، وبالتالي تتوسع القاعدة الضريبية. وفي هذه الحالة قد تحصل الدولة مستقبلًا على حصيلة ضريبية أكبر نتيجة زيادة النشاط الاقتصادي، بما يعوض جزئيًا تكلفة الميزة التي منحتها للممولين و لكن

وهنا يمكن أن تتحول الصكوك من مجرد أداة لتقديم الضريبة إلى أداة لتحفيز الاستثمار بصورة غير مباشرة. فكل جنيه يخرج من تمويل الحكومة ويذهب إلى تمويل مصنع أو شركة منتجة يمكن أن يخلق قيمة مضافة وفرص عمل وإنتاجًا وصادرات وإيرادات ضريبية جديدة.

لكن تحقيق هذه النتيجة يتطلب إدارة دقيقة لحجم الإصدار. فالإفراط في إصدار الصكوك قد يؤدي إلى سحب قدر كبير من السيولة من الشركات، خصوصًا الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تعتمد بدرجة كبيرة على رأس المال العامل. وفي هذه الحالة يمكن أن يصبح جزء من المكسب الذي تحققه الخزانة على حساب الاستثمار الخاص.

لذلك فإن التحدي أمام الحكومة ليس تعظيم حجم الصكوك، وإنما تحقيق التوازن الصحيح بين السيولة العامة والسيولة الخاصة.

وأرى أن أفضل تصميم للصكوك الضريبية هو أن تكون اختيارية، واضحة القواعد، ذات عائد أو خصم محسوب اقتصاديًا، مع ضمان إمكانية استخدامها في تسوية الالتزامات الضريبية المستقبلية بصورة مستقرة، ودراسة إمكانية تداولها أو تحويلها وفق ضوابط مناسبة. كما ينبغي أن تكون حصيلتها موجهة بالدرجة الأولى إلى خفض الدين الأعلى تكلفة أو تمويل استثمارات ذات عائد اقتصادي، وليس إلى تمويل زيادة مستمرة في الإنفاق الجاري.

. لكن النموذج المصري المقترح يتميز بارتباط الصك بالالتزام الضريبي للممول نفسه، وهو ما يجعل تصميمه النهائي عاملًا حاسمًا في تحديد مدى نجاح التجربة.
و لاشك إن الصكوك الضريبية ليست مكسبًا مجانيًا للدولة ولا تكلفة خالصة على الشركات؛ وإنما هي عملية لإعادة توزيع السيولة عبر الزمن وبين قطاعات الاقتصاد.

الحكومة تحصل على سيولة مبكرة، والشركة تتحمل خروج السيولة مبكرًا مقابل ميزة مالية، والبنوك قد تستفيد من انخفاض الطلب الحكومي على الائتمان، والاقتصاد يمكن أن يستفيد من زيادة الاستثمار إذا أعيد توجيه الموارد بكفاءة.

ومن هنا فإن الحكم الحقيقي على التجربة يجب ألا يكون بحجم الأموال التي ستجمعها الخزانة، وإنما بما ستنجح في تحقيقه من خفض تكلفة الدين، وتحرير التمويل للقطاع الخاص، وحماية سيولة الشركات، وزيادة الاستثمار والإنتاج، ثم توسيع القاعدة الضريبية ورفع الحصيلة مستقبلًا.
لمواجهه خفض الحصيله المستقبليه المتوقعه
إذا نجحت مصر في تحقيق هذه المعادلة، فقد تتحول الصكوك الضريبية من مجرد أداة لتمويل الخزانة إلى حلقة وصل بين إصلاح المالية العامة والاستثمار الخاص والنمو الاقتصادي. أما إذا اقتصرت على تقديم حصيلة الضرائب المستقبلية إلى الحاضر دون خفض حقيقي لتكلفة الدين أو زيادة النشاط الاقتصادي، فستظل في النهاية أداة لإدارة التوقيت، وليس أداة لصناعة نمو جديد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *