بقلم: الأستاذ الدكتور عيد عبدالواحد درويش
الأستاذ بجامعة المنيا وخبير ومستشار تربوي لعدد من المؤسسات والجهات الدولية
أكتوبر… حين قالت مصر: نستطيع هناك أيامٌ في عمر الأوطان لا تُقاس بالساعات، ولا تُختزل في صفحات التاريخ؛ لأنها تتحول إلى ذاكرة وطن، ودرس للأجيال، ورمز لإرادة لا تنكسر.
ومن بين هذه الأيام يظل السادس من أكتوبر واحدًا من أكثر الأيام حضورًا في الذاكرة المصرية والعربية؛ يومًا اجتمعت فيه الإرادة والتخطيط والعلم والشجاعة والانضباط، فتحولت الهزيمة إلى أمل، والانكسار إلى إرادة، والانتظار إلى عبور.
لم تكن حرب أكتوبر مجرد معركة عسكرية انتهت بانتهاء العمليات؛ بل كانت ملحمة وطنية متكاملة شارك في صناعتها الجندي الذي حمل سلاحه، والعالم الذي خطط، والمهندس الذي ابتكر، والطبيب الذي داوى، والعامل الذي دعم، والفلاح الذي حافظ على أرضه، والأسرة المصرية التي صبرت وتحملت، وكل مصري آمن بأن الوطن يستحق التضحية.
لقد كان أكتوبر إعلانًا واضحًا بأن الأوطان لا تُبنى بالأمنيات، وإنما بالإرادة والعمل والتخطيط والاستعداد.
الدرس الأول: لا مستحيل أمام إرادة الشعوب
ربما كان أعظم ما حملته ملحمة أكتوبر هو درس الإرادة.
فحين تبدو العقبات أكبر من الإمكانات، لا يكون السؤال: هل نستطيع؟، وإنما السؤال الحقيقي: هل نملك الإرادة الكافية لكي نبدأ؟
لقد أثبت المصريون أن الإرادة الوطنية عندما تتحول إلى عمل منظم يمكنها أن تغيّر معادلات تبدو ثابتة.
وهذه رسالة شديدة الأهمية للأجيال الجديدة:
لا تجعل حجم التحدي سببًا للاستسلام، بل اجعل حجم التحدي دافعًا لمضاعفة الاستعداد والعمل.
الدرس الثاني: التخطيط الجيد يصنع الفارق
لم يكن نصر أكتوبر وليد لحظة عابرة أو قرارًا منفردًا؛ بل كان نتيجة تخطيط دقيق، ودراسة للواقع، ومعرفة بنقاط القوة والضعف، وإدارة واعية للموارد والإمكانات.
وهنا يظهر درس بالغ الأهمية في حياتنا المعاصرة:
النجاح لا يبدأ يوم التنفيذ؛ بل يبدأ يوم التخطيط.
فالمؤسسات التي تريد النجاح تحتاج إلى رؤية واضحة، وأهداف محددة، وبدائل متعددة، وقدرة على قراءة المستقبل، والاستعداد للمتغيرات قبل وقوعها.
وهذا هو جوهر الاستشراف وصناعة المستقبل.
الدرس الثالث: العلم يمكن أن يهزم المستحيل
من الدروس المهمة في أكتوبر أن القوة لا تعني فقط امتلاك السلاح، وإنما تعني أيضًا امتلاك المعرفة والقدرة على توظيفها.
لقد كان العقل المصري حاضرًا في التخطيط والتنفيذ والابتكار وحل المشكلات.
وهنا تبرز رسالة يجب أن تصل بوضوح إلى أبنائنا:
إن معركة المستقبل لن تكون بالسلاح وحده، وإنما بالعلم، والتكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي، والبحث العلمي، والقدرة على الابتكار.
فإذا كانت الأجيال السابقة قد عبرت أصعب الحواجز بالإرادة والعلم، فإن أجيال المستقبل مطالبة بأن تعبر حواجز الجهل والتخلف والتبعية الرقمية والمعرفية بالعلم نفسه.
الدرس الرابع: الوحدة تصنع القوة
من أهم أسرار الانتصارات الكبرى أن أبناء الوطن يشعرون بأنهم جسد واحد وهدف واحد ومصير واحد.
وفي أكتوبر تلاقت إرادة القوات المسلحة مع إرادة الشعب، وتكاملت أدوار مؤسسات الدولة، وتحول الانتماء للوطن إلى طاقة هائلة قادرة على مواجهة التحديات.
وهذه الحقيقة تظل صالحة لكل زمان:
حين نتفرق تضعف قدرتنا، وحين نتوحد تتضاعف قوتنا.
إن مصر في حاجة اليوم، كما كانت دائمًا، إلى ترسيخ ثقافة الحوار، واحترام الاختلاف، ونبذ التعصب، والابتعاد عن الشائعات التي تستهدف الثقة بين المواطن ومؤسسات دولته.
الدرس الخامس: الجندي المصري… عقيدة وانتماء
لا يمكن الحديث عن أكتوبر دون الوقوف طويلًا أمام الجندي المصري.
ذلك الجندي الذي لم يكن يرى في الأرض مجرد مساحة جغرافية، وإنما كان يرى فيها وطنًا وبيتًا وذاكرةً وأهلًا ومستقبلًا.
إن أعظم ما يمكن أن نقدمه لأبطال أكتوبر ليس الاحتفال بهم في المناسبات فقط، وإنما أن نُعلِّم أبناءنا معنى التضحية والانضباط والمسؤولية والانتماء.
فالوطنية ليست كلمات تُقال، وإنما سلوك يومي.
أن تحافظ على مدرستك… وطنية.
أن تتقن عملك… وطنية.
أن تحترم القانون… وطنية.
أن تحافظ على المال العام… وطنية.
أن ترفض الشائعة… وطنية.
أن تساعد محتاجًا… وطنية.
وأن تضع مصلحة الوطن فوق المصلحة الشخصية… هي من أرقى صور الوطنية.
من أكتوبر العسكري إلى أكتوبر المعرفي
ربما يكون السؤال الأهم الذي يجب أن نطرحه اليوم:
ما الذي يمكن أن نتعلمه من أكتوبر ونحن نواجه تحديات القرن الحادي والعشرين؟
إننا نحتاج إلى أن ننقل مفهوم العبور من ساحات القتال إلى ساحات العلم والمعرفة والإنتاج والتنمية.
نحتاج إلى عبور من:
التلقين إلى التفكير.
الحفظ إلى الإبداع.
الاستهلاك إلى الإنتاج.
الاعتماد على الآخرين إلى امتلاك المعرفة.
الخوف من المستقبل إلى صناعته.
الاستخدام العشوائي للتكنولوجيا إلى الاستخدام الواعي والآمن للذكاء الاصطناعي.
فإذا كان جيل أكتوبر قد نجح في عبور خط بارليف، فإن مسؤولية جيلنا هي أن يعبر خطوط الجهل والفقر والتطرف والشائعة والتبعية المعرفية.
أكتوبر والذكاء الاصطناعي… معركة المستقبل
لقد تغيّر شكل العالم.
لم تعد القوة تقاس فقط بعدد الجنود أو حجم المعدات، وإنما أصبحت المعرفة والبيانات والابتكار والذكاء الاصطناعي من أهم عناصر القوة الوطنية.
ولهذا فإن الاحتفال الحقيقي بأكتوبر لا ينبغي أن يكون مجرد استعادة للماضي، وإنما يجب أن يكون استثمارًا في المستقبل.
علينا أن نُعد طفلًا يستطيع أن يفكر، وشابًا يستطيع أن يبتكر، وباحثًا يستطيع أن ينتج المعرفة، ومعلمًا يستطيع أن يوظف التكنولوجيا، وجامعةً تستطيع أن تقود التنمية، ومؤسساتٍ تستطيع أن تستشرف المستقبل.
فالأمم التي انتصرت في معارك الأمس، مطالبة بأن تنتصر في معارك المعرفة اليوم.
أكتوبر… درس في إدارة الأزمات
ومن الدروس التي تستحق التأمل أيضًا أن الأزمات الكبرى لا تُدار بالارتباك، وإنما بالهدوء، والمعلومات الدقيقة، وسرعة اتخاذ القرار، وتحديد الأولويات.
وهذه مهارات تحتاجها مؤسسات الدولة، والجامعات، والمدارس، والشركات، بل يحتاجها كل إنسان في حياته اليومية.
إننا في عالم سريع التغير، تتلاحق فيه الأزمات الاقتصادية والسياسية والتكنولوجية والمناخية، ولذلك أصبح الاستعداد للمستقبل ضرورة، وليس رفاهية.
ماذا نقول لأبناء أكتوبر؟
نقول لهم:
شكرًا لأنكم أثبتم أن المصري يستطيع.
شكرًا لأنكم جعلتم من التضحية طريقًا للنصر.
شكرًا لأنكم علمتم الأجيال أن الأرض لا تُسترد بالتمني، وأن الحقوق تحتاج إلى إرادة، وأن الأوطان تحتاج إلى رجال يؤمنون بها ويدافعون عنها.
ونقول لأبناء الوطن اليوم:
لا تكتفوا بأن تكونوا أبناء جيل صنع النصر؛ بل كونوا جيلًا يصنع المستقبل.
فالماضي مصدر فخر، لكنه لا يكفي وحده.
والبطولة الحقيقية أن نحول ذكرى النصر إلى طاقة للعمل والبناء والإنتاج والعلم.
الخلاصة: أكتوبر ليس ذكرى… بل منهج حياة
إن أعظم درس يمكن أن نستخلصه من ملحمة أكتوبر هو أن الوطن الذي يمتلك الإرادة، والعلم، والتخطيط، والوحدة، والانضباط، يستطيع أن يواجه أصعب التحديات.
ولهذا فإن أكتوبر يجب ألا يبقى مجرد احتفال سنوي؛ بل يجب أن يتحول إلى منهج تربوي وثقافي ووطني نغرسه في عقول أبنائنا.
علينا أن نُعلِّم الطفل أن الوطن مسؤولية.
وأن نُعلِّم الطالب أن العلم قوة.
وأن نُعلِّم الشاب أن العمل قيمة.
وأن نُعلِّم المجتمع أن الوحدة حماية.
وأن نُعلِّم الجميع أن المستقبل لا ينتظر من يخافه، وإنما يفتح أبوابه لمن يستعد له ويصنعه.
وفي ذكرى أكتوبر المجيدة، تبقى الرسالة الخالدة:
مَن امتلك إرادته، امتلك قراره؛
ومَن امتلك علمه، امتلك مستقبله؛
ومَن امتلك وحدته، امتلك قوته؛
ومَن أحب وطنه، جعل من كل يومٍ فيه عبورًا جديدًا نحو الأفضل.
رحم الله شهداء مصر الأبرار، وحفظ جيشها وشرطتها وشعبها، وحفظ مصر قيادةً ودولةً ووطنًا، وأدام عليها نعمة الأمن والاستقرار، وجعل نصر أكتوبر العظيم مصدر إلهام دائم لأجيالها القادمة.

