إقالة حسام حسن.. كابوس أزعج المصريين وكشف أزمة اتحاد الكرة في إدارة منتخب الوطن

بقلم: أحمد بدوي

لم تكن إقالة الكابتن حسام حسن، المدير الفني السابق لمنتخب مصر، مجرد قرار إداري عابر في سجلات اتحاد الكرة، بل تحولت إلى صدمة وكابوس أزعج قطاعًا كبيرًا من جماهير الكرة المصرية، وفتح أبوابًا واسعة من التساؤلات حول طريقة إدارة المنظومة الكروية، ومعايير اتخاذ القرارات داخل الاتحاد المصري لكرة القدم.
فبعد أن كان الحديث يدور حول ضرورة توفير الاستقرار للجهاز الفني، فوجئ الشارع الرياضي بقرار اتحاد الكرة توجيه الشكر إلى حسام حسن وجهازه الفني والإداري، وتكليف الكابتن علي ماهر بقيادة المنتخب خلال المرحلة المقبلة.
والأكثر إثارة للتساؤل أن هذا القرار جاء بعد فترة قصيرة من تجديد الثقة في حسام حسن وتمديد عقده حتى عام 2030، عقب قيادته المنتخب إلى إنجاز تاريخي في كأس العالم 2026. وهنا يحق للجماهير أن تسأل كيف يتحول مشروع كان يحظى بالثقة إلى قرار بالرحيل بهذه السرعة؟ وأين التخطيط والاستقرار اللذان طالما تحدث عنهما مسؤولو الاتحاد،حسام حسن ليس مجرد مدير فني.. إنه تاريخ من العطاء والانتماء للكرة المصرية.
فهو أحد أساطير الملاعب المصرية، وصاحب مسيرة حافلة بالإنجازات لاعبًا، وعندما تولى المسؤولية الفنية للمنتخب حمل معه شخصية المقاتل، وسعى إلى إعادة الروح القتالية والهوية المصرية إلى منتخب الوطن.

وبلغة الأرقام، خاض المنتخب تحت قيادته 38 مباراة، حقق الفوز في 21 مباراة، وتعادل في 10 مباريات، بينما تلقى 7 هزائم. وهي حصيلة تستحق التقييم الفني الموضوعي، بعيدًا عن المبالغة في الإشادة أو القسوة في النقد.
لكن الإنجاز الأبرز الذي سيظل حاضرا في ذاكرة الجماهير هو ما تحقق في كأس العالم 2026، إذ نجح المنتخب المصري في تحقيق أول فوز في تاريخه بالمونديال، بعد التغلب على نيوزيلندا بثلاثة أهداف مقابل هدف، ثم تجاوز دور المجموعات، وحقق أول انتصار مصري في الأدوار الإقصائية بالفوز على أستراليا بركلات الترجيح بنتيجة 4-2، بعد انتهاء المباراة بالتعادل 1-1، ليبلغ دور الـ16 للمرة الأولى في تاريخه.
وسجل المنتخب 8 أهداف خلال البطولة، وهو رقم يتجاوز إجمالي أهدافه في مشاركاته الثلاث السابقة بكأس العالم، والتي بلغت 5 أهداف فقط.
كما قدم المنتخب مباراة تاريخية أمام الأرجنتين في دور الـ16، وتقدم بهدفين دون رد، قبل أن ينجح المنتخب الأرجنتيني في العودة وتحقيق الفوز بنتيجة 3-2، لتنتهي رحلة الفراعنة في المونديال، لكن دون أن تمحو هذه الهزيمة ما تحقق من إنجازات.
أما على مستوى المباريات الودية، فقد تعادل المنتخب مع إسبانيا على أرضها بنتيجة 0-0، وحقق فوزًا كبيرًا على السعودية بأربعة أهداف دون مقابل في جدة، في نتائج عكست قدرة المنتخب على تقديم مستويات قوية أمام منافسين مختلفين.
وبالطبع، لم تكن رحلة حسام حسن خالية من الإخفاقات؛ فقد خسر المنتخب أمام السنغال بهدف دون رد في نصف نهائي كأس الأمم الإفريقية 2025، ثم خسر مباراة تحديد المركز الثالث أمام نيجيريا بركلات الترجيح بنتيجة 4-2 بعد التعادل السلبي، لينهي البطولة في المركز الرابع.
وهذا حق أصيل للنقد والمحاسبة، لكن السؤال الذي يفرض نفسه،هل تُقيّم تجربة مدرب بحجم حسام حسن من خلال الإخفاقات وحدها، أم من خلال حصيلة متكاملة تشمل الإنجازات والنتائج والأداء والتطور الفني.
أما المهندس هاني أبوريدة، رئيس اتحاد الكرة، فهو أمام أسئلة لا يمكن تجاهلها بعد إخفاق إتحاد كرة يرضخ لإرادة لاعب دون النظر في مصير الكرة المصرية.
كيف يجدد الاتحاد الثقة في مدير فني ويمدد عقده حتى عام 2030، ثم ينهي مهمته بعد فترة قصيرة،وما المعايير الفنية والإدارية التي استند إليها هذا القرار، وهل تمت مراجعة التجربة بصورة شاملة، أم أن ردود الأفعال والأحداث الأخيرة أصبحت العامل الحاسم،
لقد أصبح من الضروري أن يدرك اتحاد الكرة أن إدارة منتخب مصر ليست مجرد قرارات تصدر من مجلس الإدارة، ولا اجتماعات تنتهي ببيانات رسمية، وإنما مسؤولية وطنية تحتاج إلى رؤية استراتيجية واستقرار مؤسسي ومحاسبة واضحة.
أين المشروع طويل المدى،الذي تتبناه القيادة السياسية،وأين التخطيط العلمي لتطوير المنتخبات الوطنية، وأين منظومة اكتشاف المواهب،ومن يتحمل مسؤولية الإخفاقات الإدارية والفنية المتراكمة،
إن المشكلة الحقيقية في الكرة المصرية لا تتوقف عند رحيل مدرب أو تعيين آخر، وإنما تمتد إلى منظومة تحتاج إلى مراجعة جادة، حتى لا يظل المنتخب الوطني أسيرًا لتغيير الأجهزة الفنية مع كل أزمة أو اختلاف في وجهات النظر.
لماذا اقترن إسم النجم محمد صلاح بإقالة النجم الكبير المدير الفني للمنتخب الوطني حسام حسن، من المنطق أنه لا أحد يستطيع إنكار قيمة محمد صلاح، وما قدمه للكرة المصرية، فهو أحد أعظم المحترفين في تاريخنا، وصاحب إنجازات تستحق التقدير والاحترام.
لكن منتخب مصر أكبر من أي لاعب، مهما بلغت نجوميته، وأكبر من أي مسؤول مهما علا منصبه. فلا يجوز أن تصبح مصلحة المنتخب مرتبطة باسم بعينه، ولا أن تتحول أي اختلافات بين اللاعبين والجهاز الفني إلى أزمات تهدد استقرار المنتخب.
فالاحتراف الحقيقي يعني احترام المؤسسة، والالتزام باللوائح، وحل الخلافات داخل الغرف المغلقة، بعيدًا عن الضغوط الإعلامية وتضارب التصريحات.
كما أن بعض المنابر الإعلامية الرياضية مطالبة بمراجعة دورها، فالنقد حق مشروع وضرورة لتصحيح المسار، لكن تضخيم الخلافات وإشعال الأزمات لا يخدم الكرة المصرية، ولا يصنع منتخبًا قادرًا على المنافسة.
إن الإعلام المهني يجب أن يحاسب الجميع بالمعايير نفسها؛ المدرب واللاعب ورئيس الاتحاد وأعضاء مجلس الإدارة، دون استثناء أو مجاملة.
والسؤال الأهم الآن: ماذا بعد حسام حسن.
هل ستتغير المنظومة بتغيير المدير الفني، وهل يمتلك اتحاد الكرة خطة واضحة تضمن استمرار المشروع الفني، أم سنعود إلى نقطة البداية، ونبدأ رحلة جديدة من التجارب والتغييرات وانتظار النتائج.
إن تكليف علي ماهر بمهمة القيادة الفنية يضعه أمام مسؤولية كبيرة، ويستوجب من الاتحاد توفير الاستقرار والدعم له، حتى لا تتكرر معه الأزمات نفسها.
لسنا ضد المحاسبة، ولا نطالب بمنح أي مدرب حصانة من النقد، لكننا نرفض ازدواجية المعايير، ونطالب بأن تشمل المحاسبة جميع أطراف المنظومة، لا أن يتحمل المدير الفني وحده فاتورة القرارات والإخفاقات.
يا اتحاد الكرة.. منتخب مصر ليس ملكًا لأحد، ولا يجوز أن يتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات أو اختبار النفوذ.
إن الجماهير المصرية لا تطلب المستحيل، وإنما تريد منتخبًا يحترم أحلامها، واتحادًا يضع مصلحة الوطن فوق الحسابات الضيقة، ومنظومة تعمل بعقلية المؤسسات لا بعقلية ردود الأفعال.
لقد انتهت مهمة حسام حسن، لكن الأسئلة لم تنتهِ، وستظل الجماهير تنتظر إجابات واضحة عن أسباب القرار، ومعايير اتخاذه، ومستقبل المشروع الكروي الذي بدأ مع المنتخب.
التاريخ لا يرحم من يفرط في الاستقرار، ولا ينسى من صنع الإنجازات، ولا يمنح المناصب حصانة من المحاسبة.
فمنتخب مصر أكبر من أبوريدة، وأكبر من صلاح، وأكبر من حسام حسن.. ومصلحة الوطن الكروي يجب أن تظل فوق الجميع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *