كتب : محمد فاروق
في كرة القدم قد تجتهد 90 دقيقة ولا تحصل على ما تريد ثم تأتي لحظة واحدة في الوقت بدل الضائع لتكافئ الفريق الأكثر إصرارًا وعزيمة .
وهكذا أخيرا ابتسمت الكرة للنادي الأهلي أمام المقاولون العرب الأهلي انتظر حتى الدقيقة 94 ليخطف هدف الفوز بعدما ارتقى أشرف بن شرقي لكرة عرضية متقنة من محمد هاني ووضعها برأسية رائعة داخل الشباك ليمنح فريقه ثلاث نقاط ثمينة في كأس عاصمة مصر.
لكن الهدف المتأخر لا يجب أن يخفي المشاكل الفنية الكاملة للمباراة.
فالأهلي فاز نعم ! لكنه عانى مجددًا أمام التكتل الدفاعي وهي المشكلة التي أصبحت واحدة من أبرز علامات الاستفهام على الأداء الهجومي للفريق تحت قيادة الحسين عموتة.
بن شرقي يهزم الوقت والتكتل…
الهدف الذي جاء في الدقيقة 94 كان أهم لقطة في المباراة ليس فقط لأنه منح الأهلي الفوز ولكن لأنه جاء بالطريقة التي افتقدها الفريق طوال فترات طويلة من اللقاء:
عرضية دقيقة + تحرك داخل المنطقة + جودة في الإنهاء.
محمد هاني أرسل الكرة في التوقيت المناسب وبجودة عالية وبن شرقي قرأ مسارها جيدًا وارتقى فوق المدافعين ليضعها برأسية مميزة.
هدف يحمل قيمة فنية و نفسية في الوقت ذاته والأهم أنه يؤكد أن الحل أمام التكتلات لا يكون دائمًا بالاختراق من العمق أحيانًا تكون جودة العرضية والتحرك الصحيح داخل الصندوق هي المفتاح.
محمد هاني.. عندما يتحدث الظهير المميز في الوقت المناسب…
عودة محمد هاني كانت واحدة من أهم مكاسب المباراة الظهير الأيمن عاد بعد فترة غياب استرداد معها عافيته البدنية والذهنية لكنه لم يحتاج إلى وقت طويل ليترك بصمته ففي اللحظة التي احتاج فيها الأهلي إلى لاعب يمتلك القدرة على إرسال كرة حاسمة من الطرف ظهر هاني وأرسل تمريرة الهدف.
وهنا يمكن القول إن محمد هاني أثبت مرة أخرى قيمة الظهير الذي يستطيع الجمع بين الواجب الدفاعي والمساهمة الهجومية من خلال تمريرة واحدة في الدقيقة 94 كانت كافية لصناعة الفوز والفرحة للجماهير .
أزمة الأهلي المتكررة.. ماذا تفعل عندما يتكتل المنافس ؟
المشكلة لم تكن في أن المقاولون العرب دافع فمن الطبيعي أن يلجأ المنافس إلى التكتل عندما يواجه الأهلي المشكلة أن الأهلي أصبح يجد صعوبة متكررة في فك هذا التكتل وهذه ليست مشكلة مباراة واحدة فمن خلال المباريات الأخيرة للأهلي عندما يقرر المنافس إغلاق المساحات واللعب بعدد كبير من اللاعبين خلف الكرة يجد الأهلي نفسه أمام سيناريو صعب وازمة متكررة.
الأهلى يتمكن من الاستحواذ النسبي، تمرير جانبي، محاولات اختراق من العمق، ثم العودة إلى نقطة البداية وهنا تظهر الحاجة إلى سيناريوهات هجومية متعددة وفكر تكتيكي مختلف .
عموتة يحتاج إلى “الخطة البديلة”….
من أهم علامات المدرب الكبير أنه لا يدخل المباراة بخطة واحدة فقط فإذا أغلق المنافس العمق يجب أن يكون هناك حل من الأطراف وإذا أغلق الأطراف يجب أن يكون هناك لاعب بين الخطوط.
وإذا تراجع المنافس إلى منطقة الجزاء يجب أن تكون هناك تحركات متبادلة وخلق للزيادة العددية.
أما استمرار نفس الشكل الهجومي أمام التكتل الدفاعي فيجعل المهمة أسهل على المدافعين .
وهنا تحديدًا تظهر علامات الاستفهام حول الفكر التدريبي للحسين عموتة فالأهلي يحتاج إلى آليات واضحة لفك التكتلات وليس مجرد انتظار مهارة فردية أو كرة عرضية تنقذ المباراة.
لماذا تأخر الهدف حتى الدقيقة 94؟
رغم أن الأهلي لم يكن سيئًا في الرغبة بالفوز
بل كانت المشكلة في تحويل الرغبة إلى حلول هجومية منظمة.
الفريق حاول، ضغط، استحوذ، وهاجم، لكن في كثير من الفترات لم تكن هناك حركة كافية خلف الخط الدفاعي للمقاولون فعندما تكون جميع التحركات أمام المدافعين يصبح من السهل على الفريق المتكتل أن يحافظ على شكله الخططي .
أما عندما يتحرك لاعب خلف الخط ويتبادل الجناح والظهير المراكز ويتقدم لاعب الوسط إلى منطقة الجزاء يبدأ الدفاع في اتخاذ قرارات صعبة وهذا ما يحتاج الأهلي إلى تطويره.
الكرة تبتسم للمجتهد.. ولكن !
لا يمكن إنكار أن الأهلي كان الأكثر إصرارًا على الفوز حتى النهاية وهذه نقطة إيجابية فالفريق لم يستسلم ولم يتعامل مع التعادل باعتباره نتيجة مقبولة واستمر في البحث عن هدف الفوز حتى الوقت بدل الضائع والكرة في النهاية كافأته لكن في الوقت نفسه لا يجب أن يصبح هذا السيناريو عادة.
الأهلي لا يستطيع أن ينتظر الدقيقة 94 في كل مباراة….
ففي مباراة أخرى قد لا تأتي العرضية المثالية وقد لا يرتقِ المهاجم فوق المدافع وقد تصطدم الكرة بالقائم بدلًا من الشباك.
العناصر الجديدة الاختبار الحقيقي…
المباراة كانت فرصة مهمة لعدد من اللاعبين الذين يحتاج الأهلي إلى تجهيزهم للموسم الطويل القائمة شهدت وجود محمد عبد الله، أحمد رضا، ياسر إبراهيم، محمد هاني، أشرف بن شرقي إلى جانب عدد من العناصر الأخرى، في ظل غياب مجموعة من الأساسيين وهذه المباريات مهمة للغاية لأنها تمنح الجهاز الفني فرصة لمعرفة
من يستطيع تنفيذ التعليمات؟
ومن يستطيع تحمل الضغط؟
ومن يمتلك الشخصية المطلوبة للعب بقميص الأهلي؟
محمد عبد الله.. يحتاج إلى المزيد من الثقة
محمد عبد الله يمثل أحد الأسماء التي تحتاج إلى الحصول على دقائق أكبر ميزة اللاعب أنه يمتلك الجرأة والقدرة على التحرك لكن الأهم بالنسبة له هو الانتقال من مرحلة الموهبة إلى مرحلة اللاعب القادر على اتخاذ القرار الصحيح باستمرار ففي الأهلي لا يكفي أن تكون سريعًا أو مهاريًا فقط المطلوب منك أن تعرف:
متى تمرر؟
متى تراوغ؟
متى تدخل للعمق؟
ومتى تحافظ على الكرة؟
أحمد رضا فرصة لاستعادة الثقة…
عودة أحمد رضا إلى حسابات الجهاز الفني كانت أيضًا نقطة مهمة فاللاعب يحتاج إلى مباريات متتالية حتى يستطيع تقديم أفضل ما لديه وجوده يمنح الأهلي خيارًا إضافيًا في وسط الملعب لكن الحكم الحقيقي عليه يحتاج إلى الاستمرارية وليس إلى مباراة واحدة.
ياسر إبراهيم عودة مهمة للخط الخلفي…
عودة ياسر إبراهيم تمثل مكسبًا دفاعيًا مهمًا لمدافع يمتلك خبرة كبيرة في مباريات الأهلي ووجوده يرفع المنافسة داخل الخط الخلفي كما يمنح الجهاز الفني خيارًا جاهزًا في مركز قلب الدفاع ومع كثرة المباريات فإن وجود أكثر من مدافع قادر على اللعب بمستوى ثابت يصبح ضرورة وليس رفاهية.
أشرف بن شرقي الجودة تظهر في اللحظة الحاسمة…
قد لا تكون المباراة المثالية لبن شرقي من حيث عدد الفرص أو التأثير المستمر لكن اللاعب ظهر في أهم لحظة وهي الدقيقة 94.
الكرة تصل إلى منطقة الجزاء المدافعون أمامه واللاعب بخبرته يحسمها برأسية رائعة وهذه هي قيمة اللاعب صاحب الجودة العالية
قد لا تراه طوال المباراة بالصورة التي تتوقعها لكنه يستطيع أن يحسم المباراة من لقطة واحدة.
الأرقام تقول إن الاستحواذ وحده لا يكفي…
في آخر مواجهة دوري بين الفريقين أظهرت بيانات المباراة أن الأهلي وصل إلى 60% استحواذ، و10 تسديدات، و9 ركلات ركنية، و19 عرضية، ومع ذلك انتهت المباراة بالتعادل 1-1 وهو رقم يوضح أن كثرة الاستحواذ والعرضيات لا تعني بالضرورة القدرة على كسر دفاع منظم وهذه الملاحظة مهمة عند تحليل مباراة اليوم فالمشكلة ليست في امتلاك الكرة فقط
ولكن المشكلة في ماذا تفعل بالكرة عندما يكون المنافس خلف الكرة.
أهم عيوب الأهلي…
المباراة كشفت استمرار عدد من السلبيات:
أولًا:
بطء تدوير الكرة
عندما تكون الكرة بطيئة يحصل الدفاع المتكتل على الوقت الكافي لإعادة تنظيم صفوفه.
ثانيًا:
قلة التحركات خلف الدفاع
التحرك أمام المدافعين لا يكسر التكتل.
ثالثًا:
الاعتماد الزائد على الحل الفردي
الأهلي يحتاج إلى منظومة تخلق الفرصة وليس انتظار مهارة لاعب.
رابعًا:
غياب التنوع الهجومي
هناك حاجة أكبر للتسديد والاختراق والتبديل السريع للملعب واللعب بين الخطوط.
خامسًا:
التأخر في تحويل السيطرة إلى خطورة
الفريق قد يسيطر على الكرة لكنه يحتاج إلى تحويل السيطرة إلى فرص حقيقية.
وفي المقابل أهم مميزات الأهلي…
رغم الانتقادات هناك إيجابيات مهمة لا يجب تجاهلها.
الإصرار حتى اللحظة الأخيرة.
القدرة على تحقيق الفوز رغم الغيابات.
عودة محمد هاني بصورة مؤثرة.
عودة ياسر إبراهيم.
الحصول على دقائق مهمة لعناصر مثل أحمد رضا ومحمد عبد الله.
الحسم في اللحظة الأخيرة عن طريق بن شرقي.
والأهم هي عودة الروح والإصرار علي الفوز وعدم الاستسلام عندما لم يأتِ الهدف في الوقت المتوقع.
وفي النهاية الأهلي خرج من المباراة بما يريده وهو الفوز وثلاث نقاط ورفع الروح المعنوية للاعبية والجهاز الفني .
لكن المباراة لم تقدم الإجابة الكاملة عن سؤالي السابق عن الهوية الفنية.
فالفريق ما زال بحاجة إلى حلول أكثر وضوحًا عندما يقرر المنافس التراجع والتكتل وهذه النقطة تحديدًا أصبحت واحدة من أهم الملفات الفنية أمام عموتة لأنه سيواجهها كثيرا بالدوري المصري فالمنافسون في مصر لن يمنحوا الأهلي مساحات كبيرة وسيكررون نفس السيناريو :
تراجع دفاعي + غلق العمق + تقليل المساحات + الاعتماد على الهجمات المرتدة ومن هنا يجب أن يمتلك الأهلي أكثر من سيناريو.
الكرة ابتسمت للأهلي في الدقيقة 94 لكنها أيضًا كشفت له المشكلة من جديد.
وأخيرا…
رأسية أشرف بن شرقي الرائعة وتمريرة محمد هاني المتقنة منحتا الأهلي فوزًا ثمينًا لكنهما لا يجب أن تحجبا حقيقة أن الفريق عانى طويلًا أمام تكتل دفاعي كان يحتاج إلى حلول تكتيكية أكثر تنوعًا.
الأهلي يملك لاعبين قادرين على الحسم ويملك مجموعة من العناصر الجديدة التي تحتاج إلى الفرصة والاستمرارية كما أن عودة هاني وياسر تضيف خبرة وقوة للقائمة لكن التحدي الحقيقي أمام عموتة ليس الفوز على المقاولون بهدف في الدقيقة 94.
التحدي هو أن يصبح الأهلي قادرًا على فك التكتل قبل الدقيقة 94 لأن فريقًا بحجم الأهلي لا ينبغي أن ينتظر دائمًا أن تبتسم له الكرة في اللحظات الأخيرة.

