بقلم: أ.د. فتحي الشرقاوي
استاذ علم النفس السياسي بجامعة عين شمس
كم مرة سمعت فيها أغنية قديمة ما، أو شممت رائحة عطر ما أو مررت بشارع كنت تعرفه منذ سنوات،و إذ بك فجأة نجد نفسك وقد انفعلت بأحدث قديمة مرتبطة بها،قد تعود بك الى طفولتك التي هجرتها منذ عشرات السنين تتذكر وجوهً غابت ورحلت عن دنيانا وأماكن تغيرت في اشكالها وملامحها وأشخاص لم تعد تراهم، وربما تشعر بابتسامة تختلط بشيء من الحزن والحنين.
هذا ببساطة ما نسميه النوستالجيا (Nostalgia) أو الحنين إلى الماضي، النوستالجيا ليست مجرد استرجاع للذكريات فكلنا تقريبا تنتابنا فترات نحن فيها للماضي بذكرياته واحداثه ،بل إنها رحلة وجدانية إلى زمن لم يعد موجود ،السؤال هنا قد يبدو من المعقول أن احن الى ذكرياتي السعيدة لانها بمثابة الوقود لتبديد حالتي الحزينة المأساوية الحاليه،لكن ماذا بشأن الافراد الذين يلغون حياتهم الحاضرة ويعيشون أسوأ ذكرياتهم واحباطاتهم السابقة،مثل تذكرك لأشخاص لم تكن سعيد معهم تمامًا أو حنينك لمراحل من حياتك كانت مليئة بالتحديات والاحباطات.
هنا سوف نكتشف أن ذاكرتك الإنسانية لا تعمل مثل كاميرا التصوير التي تسجل كل شيء بحياد، بل تعيد أحيانًا ترتيب الأحداث فتُبرز اللحظات المؤلمة وتخفف من حدة اللحظات السعيدة واحيانا العكس،ونظرا لأن الكثير منا بدت عليه أعراض النوستالجيا دعونا من باب الثقافة النفسيه نطرح ما هى الاسباب التي قد تدفعك للعيش في ماضي انقطعت فيه سبل معايشتك له ،بكل ما فيه السبب الأول هروبك من ضغوط أحداث الحياة الحاضرةفعندما تتراكم عليك المسؤوليات والمشكلات.
قد تجد نفسك تلقائيا في ذكرياتك القديمة مساحة نفسية تستريح فيها بعيد عن أعباء الواقع،السبب الثاني شعورك بفقدان ما كان مألوف لديك مثل رحيل الأحباب وتغير الأصدقاء واختفاء الأماكن القديمة، كلها أمور تجعلك تشعر بأن جزءًا من تاريخك الشخصي قد ابتعد عنك، السبب الثالق مقارنتك الماضي بالحاضر، أحيانًا لا يكون ماضيك أجمل لكن حاضرك قد يكون أكثر إرهاق، فيبدو حينئذ ماضيك أكثر إشراق عند المقارنة، السبب الرابع هو حنينك لذاتك القديمة وهذه نقطة مهمة للغاية فقد لا نشتاق إلى المكان أو الأشخاص بقدر اشتياقك إلى نفسك في ذلك الوقت[ حيويتك، واندفاعك، وبساطتك،احلامك ] التي لم تكن قد اصطدمت بعد بتعقيدات الحياة،ولعل المتابع لي يصل معي للسؤال الأكثر اهميه هل النوستالجيا بهذا الشكل مفيدة أم ضارة؟
الاجابه أنها قد تكون الاثنين معًا فذكرياتك الجميلة التي تعيشها داخل نفسك قد تمنحك الشعور بالدفء وأن حياتك لم تكن كلها أزمات وإحباطات. وقد تساعدك على استعادة الأمل وإعادة التواصل مع أصدقاء قدامى، لكنها قد تتحول إلى عبء نفسي شديد عندما تصبح أسيرًا للماضي، فتقضي معظم وقتك في مقارنة حاضره بأيام مضت، وتكرر عبارات مثل الدنيا زمان كانت أحلى
والناس زمان كانوا غير الناس ومفيش حاجة بقت زي الأول.
لكي تفتح بارادتك الخالصه لنفسك ابواب جحيم الاكتئاب
وبدل من استمتاعك بذكرياتك، تبدأ في رفضك لواقعك،وربما تفقد قدرتك على الاستمتاع بما لا تزال تملكه…مجردخاطره.

