تحليل فني : محمد فاروق
حقق النادي الأهلي فوزًا ثمينًا على مودرن سبورت بهدف دون رد في الجولة الثامنة من بطولة الدوري الممتاز ليحصد ثلاث نقاط جديدة ويواصل وجوده في دائرة المنافسة.
لكن بعيدًا عن النتيجة فإن الأداء الذي قدمه الأهلي يفتح الباب أمام علامات استفهام كثيرة حول الشكل الفني والتكتيكي للفريق خصوصًا أن الانتصار جاء بصعوبة بالغة وكان من الممكن أن يتغير كل شيء في الدقائق الأخيرة لولا تألق مصطفى شوبير”رجل المباراة ”
وتصديه لركلة جزاء مودرن سبورت.
الأهلي فاز.. لكنه لم يقنع
وربما تكون هذه هي الجملة الأكثر دقة لوصف المباراة.
عمر الساعي.. الاستثناء الحقيقي والمميز في مباراة باهتة..
إذا كان هناك لاعب يستحق لقب نجم المباراة دون منافس فهو عمر الساعي.
اللاعب قدم مباراة متكاملة من الناحيتين الدفاعية والهجومية ولم يكتفِ بتسجيل هدف الفوز بل أدي واجب دفاعي مميز وظهر بروح قتالية واضحة وتحرك في أكثر من مساحة وساهم في مساعدة الفريق على الحفاظ على تقدمه حتى صافرة النهاية.
وجاء هدف النجم الساعي في الدقيقة 17 بعدما أرسل أحمد سيد زيزو عرضية متقنة من الجهة اليمنى قابلها الساعي برأسية قوية سكنت الشباك.
الهدف كان جميلًا من الناحية التنفيذية لكنه أيضًا يكشف عن واحدة من الأدوات القليلة التي نجح الأهلي في استخدامها بفاعلية خلال المباراة:
الوصول إلى الجناح ثم إرسال الكرة إلى منطقة الجزاء لاستغلال التحرك داخلها.
زيزو يصنع.. والساعي ينهي
الهجمة التي جاء منها الهدف كانت من أفضل اللقطات الفنية للأهلي بدأت بتمريرة طويلة من مروان عطية وصلت إلى أحمد سيد زيزو الذي تعامل مع الكرة بصورة جيدة ونجح في تجاوز المدافع قبل أن يرسل عرضية دقيقة إلى عمر الساعي الذي أنهى الهجمة برأسية قوية.
وهنا ظهرت ثلاثة عناصر يحتاجها الأهلي بصورة أكبر :
التمرير إلى المساحة التحرك بدون كرة ثم جودة اللمسة الأخيرة لكن المشكلة أن هذه الحالة لم تتكرر بالقدر الكافي طوال المباراة.
الأهلي امتلك الكرة.. لكنه لم يمتلك المباراة
الأرقام تكشف جانبًا مهمًا من الصورة.
بيانات المباراة المتاحة أظهرت أن مودرن سبورت وصل إلى نسبة استحواذ بلغت نحو 55.6% مقابل 44.4% للأهلي مع 6 تسديدات لمودرن مقابل 5 للأهلي وتسديدتين على المرمى لكل فريق وفق أحداث المباراة.
كما سجل مودرن 205 تمريرات مقابل 167 للأهلي.
وهذه الأرقام لا تعني أن مودرن كان أفضل بصورة مطلقة لكنها تكشف أن الأهلي لم يفرض سيطرة كاملة على اللقاء رغم تقدمه منذ البداية.
بل إن صاحب الأرض استطاع في فترات عديدة أن يحتفظ بالكرة وأن ينقل اللعب إلى مناطق الأهلي بسهولة .
وهنا تظهر المشكلة الفنية الأساسية وهي أن الأهلي كان يتقدم في النتيجة أكثر مما كان يتقدم في الأداء.
أخطاء التمرير مشكلة مستمرة…
من أبرز الملاحظات الفنية في المباراة كثرة الأخطاء في التمرير.
الأهلي لم يكن دائمًا قادرًا على نقل الكرة من الثلث الأول إلى الثلث الثاني بصورة منظمة كما ظهرت بعض التمريرات غير الدقيقة التي قطعت هجمات كان يمكن أن تتحول إلى فرص.
وعندما يفقد الفريق الكرة بهذه الطريقة، يصبح الضغط العكسي أكثر صعوبة، خصوصًا إذا كان اللاعبون قد تقدموا بالفعل إلى مناطق هجومية.
وهنا تتحول الكرة المفقودة من مجرد خطأ تمرير إلى مشكلة في التوازن الدفاعي.
تمركزات تحتاج إلى مراجعة
هناك أيضًا مشكلة واضحة في التمركز.
في بعض مراحل المباراة لم يكن هناك وضوح كافٍ في توزيع الأدوار بين لاعبي الوسط والهجوم.
من يضغط؟
من يغطي؟
من يتحرك لاستلام الكرة؟
ومن يفتح المساحة للظهير؟
هذه الأسئلة بدت حاضرة في بعض الفترات، وهو ما جعل الأهلي ينتقل أحيانًا من الضغط العالي إلى إرسال الكرة الطويلة دون وجود شكل واضح للهجمة التالية.
ضغط عالٍ.. لكن ماذا بعد؟
الحسين عموتة حاول الاعتماد على الضغط العالي في أجزاء من المباراة.
الفكرة في حد ذاتها ليست خاطئة.
لكن الضغط العالي يحتاج إلى منظومة متكاملة:
قرب الخطوط من بعضها، سرعة التحول، غلق زوايا التمرير، وجود مهاجم قادر على الضغط، ثم امتلاك خطة واضحة بعد استعادة الكرة.
المشكلة أن الأهلي عندما كان يستعيد الكرة لم يكن دائمًا يعرف كيف يحول الاسترداد إلى هجمة منظمة.
فتظهر الكرة الطويلة كحل سريع، ثم يفقد الفريق الكرة مجددًا.
وهنا يصبح السؤال مشروعًا:
هل الضغط جزء من خطة متكاملة أم مجرد سلوك منفصل عن بناء الهجمة؟
الكرات العرضية.. إنذار جديد
من أخطر ملاحظات المباراة أن الكرات العرضية ما زالت تمثل مصدر قلق لدفاع الأهلي.
ومع وجود فريق يستطيع استغلال الكرات الهوائية بشكل أفضل، فإن هذه المساحة تصبح خطيرة للغاية.
الأهلي يحتاج إلى معالجة هذه الجزئية ليس فقط على مستوى المدافعين، وإنما من بداية الهجمة.
فالوقاية من العرضية تبدأ أحيانًا من منع اللاعب المنافس من الوصول إلى منطقة الإرسال، وليس انتظار الكرة داخل منطقة الجزاء.
شوبير.. الحارس الذي أنقذ الثلاث نقاط
إذا كان عمر الساعي هو نجم الأهلي فنيًا، فإن مصطفى شوبير كان رجل اللحظة الحاسمة.
في الدقيقة 85 حصل مودرن سبورت على ركلة جزاء بعد تدخل من أكرم توفيق، وتقدم علي فوزي لتنفيذ الركلة، لكن شوبير تصدى لها ببراعة وحافظ على تقدم الأهلي.
وهنا لا يمكن التعامل مع التصدي باعتباره مجرد لقطة عابرة.
تصدي شوبير حافظ على الفوز.
لأن استقبال هدف التعادل في الدقيقة 85 كان سيضع الأهلي تحت ضغط هائل في الدقائق الأخيرة، وربما كان سيغير شكل المباراة بالكامل.
وبالتالي فإن شوبير لم يحافظ فقط على نظافة شباكه، وإنما حافظ فعليًا على الثلاث نقاط.
أكرم توفيق.. خطأ كان يمكن أن يكلف الأهلي الكثير
المباراة كشفت أيضًا عن جانب آخر.
أكرم توفيق قدم مجهودًا كبيرًا، لكن تدخله الذي تسبب في ركلة الجزاء كان متهورًا، وكان من الممكن أن يتحول إلى خطأ قاتل.
وفي مباريات الأهلي الكبيرة، لا يكفي أن تبذل مجهودًا بدنيًا كبيرًا؛ بل يجب أن تكون القرارات الدفاعية محسوبة، خصوصًا داخل منطقة الجزاء.
دفاع الأهلي.. نظافة شباك لا تعني الكمال
الأهلي خرج بشباك نظيفة، وهذه نقطة إيجابية.
لكن من الخطأ تفسير “كلين شيت” باعتباره دليلًا على أن المنظومة الدفاعية كانت مثالية.
مودرن سبورت حصل على فرصة حقيقية للعودة، ووصل إلى ركلة جزاء، كما ظهرت بعض المساحات والكرات العرضية التي كان يمكن استغلالها بصورة أفضل.
وبالتالي:
الدفاع نجح في النتيجة، لكنه لا يزال يحتاج إلى التطوير في الأداء.
عموتة أمام علامات استفهام حقيقية
الفوز يمنح عموتة ثلاث نقاط مهمة، لكنه لا يلغي الأسئلة الفنية.
فحتى الآن، ما زال شكل الأهلي التكتيكي بحاجة إلى وضوح أكبر.
هل الفريق يريد الضغط العالي؟
أم الاستحواذ؟
أم اللعب المباشر؟
أم الاعتماد على التحولات؟
كل هذه الأفكار ظهرت في المباراة، لكن من دون استمرارية كافية تجعل المتابع قادرًا على تحديد الهوية الأساسية للفريق.
والأخطر أن بعض المنافسين بدأوا يعرفون كيف يتعاملون مع النمط المتكرر.
أين المشكلة الحقيقية؟
المشكلة ليست في أن الأهلي فاز بهدف واحد.
المشكلة في أن الفريق لم يصنع من التفوق في النتيجة تفوقًا حقيقيًا في الأداء.
الأهلي كان متقدمًا، لكنه ظل معرضًا لفقدان المباراة حتى الدقائق الأخيرة.
وهذا ما تؤكده لحظة ركلة الجزاء.
فريق بحجم الأهلي يجب أن يصل إلى الدقائق الأخيرة وهو يدير المباراة بأدواته، وليس منتظرًا تصدي الحارس لإنقاذ الفوز.
قراءة فنية أخيرة
هذه المباراة يجب ألا يتم التعامل معها بمنطق:
“فوز وثلاث نقاط وانتهى الأمر”.
نعم، الأهلي حصل على المطلوب رقميًا.
لكن فنيًا هناك ملفات كثيرة تحتاج إلى مراجعة:
– دقة التمرير.
– التحرك بدون كرة.
– التمركز.
– الربط بين الخطوط.
– التعامل مع الضغط العالي.
– بناء الهجمة بعد استعادة الكرة.
– الحد من العرضيات.
– تقليل الأخطاء داخل منطقة الجزاء.
– إيجاد حلول هجومية أكثر تنوعًا.
وفي المقابل هناك مكاسب حقيقية لا يمكن تجاهلها:
عمر الساعي ظهر بصورة رائعة، مصطفى شوبير حسم اللحظة الأصعب، زيزو صنع هدفًا مهمًا، والأهلي خرج بالنقاط الثلاث وحافظ على موقعه في المنافسة.
في النهايه الأهلي فاز على مودرن سبورت لكنه لم يقدم مباراة تطمئن جماهيره.
ثلاث نقاط مهمة نعم وهدف جميل لعمر الساعي وتصدي حاسم من مصطفى شوبير لكن الأداء كشف عن مشاكل فنية لا يمكن أن تختفي خلف النتيجة والفوز .
الفوز اليوم يمكن وصفه بأنه فوز صعب أكثر منه فوزًا مقنعًا وربما كان الفارق بين الأهلي وخسارة نقطتين هو تألق حارس مرماه في اللحظة الحاسمة.
أما الحسين عموتة فالمطلوب منه في المرحلة المقبلة ليس فقط حصد النقاط وإنما تقديم إجابة واضحة عن السؤال الأهم:
ما هي هوية الأهلي التكتيكية التي يريد بناءها؟
لأن الأهلي يستطيع الفوز بالمباريات لكن المنافسة على البطولات تحتاج إلى فريق يعرف كيف يفوز ولماذا يفوز وكيف يحافظ على الفوز دون أن يعيش على حافة الخطر حتى صافرة النهاية…اللهم بلغت اللهم فاشهد.

