بقلم: أحمد بدوي
نعيش وسط مفارقات موجعة وعجيبه تستحق أن نتوقف أمامها طويلًا: كيف لمجتمع يطمح إلى التقدم، ويرفع شعارات بناء الإنسان، أن يترك عقول علمائه وأساتذته الجامعيين تصارع أعباء الحياة، بينما تحظى مجالات أخرى بمكافآت وعقود مالية ضخمة؟
إلى متى تظل أجور أعضاء هيئة التدريس ومعاونيهم بالجامعات المصرية قضية مؤجلة، رغم أنهم يمثلون حجر الزاوية في بناء الأجيال، وصناعة المعرفة، وإعداد الكفاءات القادرة على قيادة المستقبل،أستاذ الجامعة ليس مجرد موظف يؤدي ساعات عمل، بل هو عقل يبحث ويبتكر، ومعلم يصنع الأجيال، وباحث يسعى إلى اكتشاف حلول لمشكلات المجتمع. ومع ذلك، يضطر بعض الأساتذة والباحثين إلى البحث عن مصادر دخل إضافية لمواجهة متطلبات الحياة، على حساب الوقت والجهد اللذين كان ينبغي أن يُكرَّسا للبحث العلمي والتدريس.
كيف نطالب العقل بالإبداع، بينما تستنزفه أعباء المعيشة،فإن القضية ليست مجرد راتب يحتاج إلى زيادة، بل هي قضية تقدير للعلم والعلماء، واستثمار في الإنسان، ورؤية لمستقبل وطن لن يستطيع المنافسة عالميًا دون أن يمنح علماءه المكانة التي يستحقونها.
ونجد هناك مفارقة عجيبة بين الأقدام والعقول من حيث الدخول المادية،قد تبدو المقارنة بين لاعب كرة قدم وأستاذ جامعي مقارنة غير منصفة، فلكل مهنة طبيعتها، ولكل موهبة قيمتها، ولا ينبغي أن يكون تقدير العلماء على حساب الانتقاص من الرياضيين. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: كيف يمكن أن تبلغ عقود بعض اللاعبين ملايين الجنيهات، بينما يواجه أصحاب العقول والأبحاث العلمية تحديات معيشية لا تتناسب مع حجم مسؤولياتهم.
هل أصبحت الأقدام التي تركل الكرة أكثر قيمة من العقول التي تنتج المعرفة، وتكتشف العلاج، وتطور التكنولوجيا، وتصنع مستقبل الأمم، فالمشكلة ليست في حصول اللاعب على مقابل كبير نظير موهبته، بل في اختلال الأولويات حين يصبح التفاوت بين بعض الدخول انعكاسًا لفجوة واضحة في تقدير العلم وأهله.
فالرياضة تمنح الجماهير الفرح، لكن العلم يمنح الأمم القدرة على التقدم، ويصنع القوة الاقتصادية والتكنولوجية، ويضع الدول على طريق الاستقلال المعرفي.
نزيف العقول.. خسارة لا تعوض
إن أخطر ما تواجهه الجامعات ليس نقص الإمكانات المادية وحده، بل احتمال فقدان الكفاءات التي استثمرت الدولة سنوات طويلة في إعدادها. فعندما يجد الباحث نفسه عاجزًا عن تحقيق الاستقرار المعيشي، يصبح البحث عن عمل إضافي أو فرصة أفضل خيارًا تفرضه الظروف.
وهنا لا تخسر الجامعة موظفًا فحسب، بل قد تخسر عالمًا واعدًا، وباحثًا متميزًا، وعقلًا كان قادرًا على تحقيق إنجاز علمي يرفع اسم وطنه.
ومن غير المنطقي أن نطالب جامعاتنا بالمنافسة في التصنيفات الدولية، وزيادة النشر العلمي، وتحقيق الابتكار، دون توفير بيئة مهنية ومادية تساعد أعضاء هيئة التدريس على التفرغ لهذه المهام.
فالأبحاث المتميزة لا تُصنع بالشعارات، والابتكار لا ينمو تحت ضغط الاحتياجات اليومية، والنهضة العلمية لا تتحقق دون الاستثمار الحقيقي في العلماء.
أجر عادل.. واستثمار في المستقبل
إن تحسين أجور أعضاء هيئة التدريس ومعاونيهم ليس امتيازًا استثنائيًا، بل ضرورة لضمان الاستقرار المهني والاجتماعي، والحفاظ على الكفاءات، وتحفيز الباحثين الشباب على مواصلة مسيرتهم العلمية.
والمطلوب رؤية متكاملة تشمل مراجعة الأجور بصورة دورية، وتطوير الحوافز البحثية، ودعم الباحثين الشباب، وتوفير التمويل اللازم للمشروعات العلمية، وبناء بيئة جامعية قادرة على جذب الكفاءات والاحتفاظ بها.
فليس من الحكمة أن نطالب الأستاذ الجامعي بالتفرغ للعلم، ثم نتركه يبحث عن مصادر دخل إضافية؛ وليس من المنطقي أن نتحدث عن اقتصاد المعرفة دون أن نستثمر في صُنّاع المعرفة أنفسهم.
إن أستاذ الجامعة لا يطلب أكثر من حياة كريمة تتناسب مع رسالته، وتقدير عادل لدوره في بناء المجتمع.
إن الأقدام قد تحرز أهدافًا في الملاعب، لكن العقول هي التي ترسم أهداف الأمم الكبرى، وتبتكر وسائل تحقيقها، وتصنع مكانتها بين الدول.
وما لم ندرك أن الأستاذ الجامعي ليس عبئًا على الموازنة، بل استثمارًا في مستقبل الوطن، فستظل شعارات النهضة والابتكار والتنافسية ناقصة.
ويبقى السؤال أمام صُنّاع القرار:
إلى متى نطالب العقول بصناعة المستقبل، بينما نترك أصحابها يصارعون أعباء الحاضر.

