بقلم: ا.د. السيد الشربيني
أستاذ التصميم بكلية التربية النوعية بجامعة دمياط
بينما يقف الأستاذ الجامعي بكامل هيبته الأكاديمية ليصيغ عقول أجيال المستقبل، ويرفع اسم بلاده عالياً في المحافل الدولية كرمز للفكر والابتكار والتفرد المعرفي، تختبئ خلف هذه الصورة البراقة معاناة نفسية ومعيشية بالغة الصعوبة؛ فالأستاذ الذي يمثل ركيزة الأمن القومي وقاطرة القوة الناعمة للوطن، يجد نفسه محاصراً بضغوط مادية حادة تفصله بفجوة عميقة عن قطاعات مهنية أخرى. هذا الواقع المؤلم لم يعد مجرد مطلب فئوي، بل بات يكشف عن فجوة تشريعية واضحة في أروقة مجلسي النواب والشيوخ، بدعوى غياب الموارد بالموازنة العامة للدولة.
ومن قلب هذه الأزمة المكتومة، يطرح هذا الموضوع خطة استقصائية جريئة لإنقاذ علماء مصر خارج الموازنة وبصفر تكلفة حكومية؛ عبر منظومة التكامل التمويلي التي تعيد تدوير وعاء الكتاب الجامعي الحكومي بقيمة 250 جنيهاً للكتاب كحد أدنى، بالتوازي مع استقطاع قانوني عادل بنسبة 20% من عوائد الاستثمار بالجامعات الخاصة والأهلية التي تتغذى على كفاءات الكادر العام. خطة رقمية محكمة تضمن قفزة مالية تمنح أعضاء هيئة التدريس زيادة شهرية صافية تصل إلى 15 ألف جنيه، ليتجاوز إجمالي الانفراجة المالية حاجز الـ 20 ألف جنيه شهرياً بتوزيع عادل ودقيق ينهي الفوارق الطبقية بين الكليات المختلفة، ويضع المشرّع أمام مسؤوليته الوطنية لإقرار هذه المظلة المحصنة دستورياً، ووقف نزيف هجرة العقول وصون كرامة بناة الحضارة.
اولا.. عضو هيئة التدريس ليس مجرد موظف يؤدي ساعات عمل راتبة؛ إنه صاحب الفكر والثقافة، وصانع الرؤية المستقبلية والابتكار. الأساتذة هم منبع التجديد والتفرد والتميز والإبداع المعرفي، وبأبحاثهم الرصينة يخوضون غمار المنافسة العالمية ويرفعون اسم مصر عالياً شامخاً في المحافل الدولية والعالمية.
عندما يُترك هذا العالِم في ظروف اقتصادية ضاغطة، وفي حالة نفسية معقدة يطارد فيها المتطلبات الأساسية للحياة، فإن المجتمع يفقد جزءاً من قوته الناعمة. تراجع الاستقرار النفسي للأستاذ الجامعي يترتب عليه مباشرة انكفاء بحثي وهجرة قسرية للعقول نحو جامعات خارج الوطن، مما يهدد الأمن الفكري للشباب الذي يحتاج دائماً إلى القدوة والتنوير.
ثالثاً.. تبدأ المعضلة من المفارقة الحادة بين ما تحتمه المكانة الاجتماعية الرفيعة للأستاذ الجامعي، وبين الحصاد المادي المتواضع الذي تؤول إليه جهودهم الأكاديمية؛ فتفاصيل الواقع المعيشي الصعب في ظل الكلفة الطائلة التي يتكبدونها لإعداد رسائل الماجستير والدكتوراه، ونشر الأبحاث دولياً على نفقتهم الخاصة لتأمين الترقيات العلمية، ليجدوا أنهم أمام عوائد مالية لا تتناسب مع كلفة هذا الإعداد الأكاديمي الطويل، مما يولد حالة من الضغط النفسي الشديد داخل المؤسسات المعرفية.
ثالثاً.. هنا يبرز دور التطوير التشريعي الحتمي؛ إن غياب التعديلات العاجلة على قانون تنظيم الجامعات رقم 49 لسنة 1972 ليتواكب مع المعدلات الاقتصادية الراهنة والتحديات المعيشية المعاصرة يمثل فجوة قانونية واضحة؛ وتشير القراءات القانونية إلى أن المحاولات السابقة لصياغة بنود مالية استثنائية واجهت أحياناً عيوباً صياغية أدت إلى عدم دستوريتها أمام المحكمة الدستورية العليا، نظراً لعدم توفير غطاء مالي مستدام في الموازنة العامة للدولة، وهو ما يتطلب فلسفة تشريعية جديدة ومبتكرة لحل الأزمة من جذورها.
رابعاً.. بالمواجهة المباشرة مع أرض الواقع، نجد أن ثمن الكتاب الجامعي أو البديل الإلكتروني الحديث هو أمر مفروض وقائم بالفعل، ويتحمل عبأه الطلاب سنوياً في مختلف الكليات. غير أن الأزمة الحقيقية تكمن في عشوائية هذه المنظومة وتفاوت أسعارها، فضلاً عن تحولها في بعض الأحيان إلى مصدر حرج اجتماعي وأكاديمي يمس هيبة الأستاذ والعملية التعليمية على حد سواء.
ومن هذا المنطلق، يطرح هذا التحقيق رؤية بديلة ومقننة تقضي بإقرار مظلة مؤسسية وقانونية عاجلة تدمج هذه المنظومة القائمة بالفعل وتُقنّنها بالكامل. الهدف هو تحويل هذه المبالغ المحصلة من إطارها الفردي العشوائي، إلى صندوق تنموي مركزي موحد يحمي كرامة عضو هيئة التدريس، ويحقق الاكتفاء المالي للمنظومة دون أن يكبّد خزانة الدولة المثقلة بالالتزامات أي أعباء تمويلية جديدة.
وتعتمد الفلسفة التشريعية لهذا المقترح على حسبة رقمية دقيقة ذات جدوى اقتصادية واضحة؛ إذ تضم المنظومة الجامعية الحكومية نحو 4 ملايين طالب وطالبة. وبناءً على أرض الواقع، يقضي المقترح باعتماد مبلغ 250 جنيهاً كقيمة رسمية مستقر عليها لثمن الكتاب الجامعي الواحد والخدمات المعرفية الرقمية كحد أدنى، مع الإشارة إلى أن هناك جامعات تفرض بالفعل أسعاراً أعلى من ذلك بكثير؛ وعند توحيد هذا الرسم وتجميعه مركزياً لمرة واحدة مع المصروفات الدراسية السنوية عند بداية العام، فإن المنظومة ستجني حصيلة إجمالية مقدرة تصل إلى حوالي 14 مليار جنيه.
وفي هذا السياق، يرتكز البُعد الإستراتيجي الأكثر عمقاً في هذا الطرح على إقرار مبدأ التكامل التمويلي بين قطاعات التعليم؛ المقترح يطالب المشرّع بفرض استقطاع قانوني بنسبة 20% من إجمالي عوائد ودخول الجامعات الخاصة والأهلية الاستثمارية وتوجيهها مباشرة لصالح الصندوق المركزي الموحد لدعم الكادر الحكومي؛ باعتبار أن الجامعات الخاصة والأهلية تعتمد في تشغيلها بالأساس على كفاءات وأساتذة الجامعات الحكومية المعارين والمنتدبين، ومن العدالة المجتمعية أن تساهم في حماية أصول هذا الكادر العلمي.
هذه القفزة التمويلية المزدوجة الممزوجة بين رسوم الكتاب الحكومي وعوائد الاستثمار الخاص، كفيلة بمضاعفة وفورات الصندوق وتعميق جدواه الاقتصادية بشكل غير مسبوق. وبناءً على هذه المعطيات، فإن الصندوق سيمنح عضو هيئة التدريس زيادة شهرية صافية تناهز 15 ألف جنيه. وبإضافتها للحزم الاجتماعية والدورية المقررة والمستحقة من مجلس الوزراء المقدرة بحوالي 5 آلاف جنيه، يقفز إجمالي الانفراجة المالية ليلامس الـ 20 ألف جنيه شهرياً، وهو الرقم العادل الذي ينهي تماماً الأزمة الاقتصادية والنفسية لـ 135 ألف عضو هيئة تدريس، ويضع دخولهم في النطاق المهني المرموق الذي يستحقونه.
أما عن آلية الإدارة، فإن هذا المقترح يشترط تجميع هذه الحصيلة الشاملة وتوزيعها بعدالة تامة ودون أي تمييز بين أعضاء هيئة التدريس؛ بحيث تؤول الأموال إلى وعاء مالي موحد على مستوى الجامعات الحكومية، ويتم توزيع العوائد، مما ينهي تماماً الفوارق الطبقية المقيتة بين أستاذ الكلية كثيفة العدد كالتجارة والحقوق وأستاذ الكلية قليلة العدد كالعلوم والآثار، بمساواة تامة ترسخ العدالة الأكاديمية.
ويتميز هذا التنظيم القانوني بحصانته الكاملة ضد عيوب عدم الدستورية؛ فهو لا يمس مبدأ مجانية التعليم المكفول دستورياً، بل يعيد تنظيم وتقنين رسم خدمي قائم، بالتوازي مع تفعيل المسؤولية المجتمعية للاستثمار التعليمي الخاص والأهلي، ليتحول الكيان الجامعي الحكومي إلى رافد أمان مؤسسي يصون كرامة علماء مصر ويضمن استقرار المنارة العلمية شريطة إقرار المظلة التشريعية المناسبة.
خامساً.. إن إنقاذ كادر الجامعات المصرية لم يعد رفاهية، بل هو ضرورة حتمية لحفظ توازن الدولة وحماية أمنها الفكري والمعرفي. فالأستاذ الجامعي الذي يمتلك الفكر والابتكار، ويمثل الواجهة المشرفة لمصر في المحافل الدولية، لا يمكن أن يظل أسير حسابات مادية معقدة تؤثر على عطائه الأكاديمي، بينما تتقاضى قطاعات أخرى أضعاف دخله دون أن تحمل نفس العبء المعرفي أو كلفة التأهيل الطويل؛ ومن هنا، تقع المسؤولية التشريعية مباشرة على عاتق اللجان المختصة بمجلسي النواب والشيوخ؛ لتبني هذا الملف الحيوي، والمبادرة فوراً بصياغة التعديلات التشريعية اللازمة على قانون تنظيم الجامعات رقم 49 لسنة 1972، بما يضمن تقنين هذا الصندوق وتوزيع عوائده بنزاهة وعدالة تامة بين كافة الأساتذة في جميع الكليات دون تمييز، لإرساء بيئة أكاديمية عادلة ومستقرة.
يجب أن يدرك الجميع أن جدار الأمن القومي لأي أمة يرتكز بالأساس على استقرار عقولها المبدعة وبناة وعيها، والاستثمار الأسمى والأبقى في مستقبل مصر لتظل دائماً منارة شامخة للعلم والعلماء

