زوجة صالحة أم زوجة على مقاس الزوج؟

بقلم: دينا سيد نجم الدين
أخصائي نفسي واستشاري علاقات أسرية

من أكثر الجمل التي تتردد في الحديث عن الزواج: «أنا عايز زوجة صالحة».

جملة تبدو في ظاهرها جميلة ومشروعة، فكل إنسان يتمنى شريك حياة يتمتع بالأخلاق والمسؤولية والاحترام. لكن السؤال الأهم هو: ماذا يقصد البعض عندما يتحدثون عن الزوجة الصالحة؟

هل يقصدون امرأة سوية تعرف حقوقها وواجباتها، وتحافظ على بيتها، وتحترم شريكها وتشاركه الحياة؟

أم أنهم أحيانًا يبحثون عن امرأة تتوافق تمامًا مع احتياجاتهم الشخصية، حتى لو كانت هذه الاحتياجات مرتبطة بعيوب أو مخاوف أو رغبة في السيطرة؟

هنا تبدأ المشكلة.

فبعض الرجال عندما يقولون: «أنا أحب الزوجة الهادئة»، قد يكون المقصود في الحقيقة امرأة لا تناقش ولا تعترض ولا تعبّر عن غضبها أو احتياجاتها.

وقد يقول آخر: «أنا أحب المرأة القنوعة التي لا تطلب كثيرًا»، بينما تتحول القناعة في التطبيق إلى مطالبة الزوجة بأن تتقبل التقصير، وألا تطالب بما تحتاجه أو بما تستحقه.

وقد يقول ثالث: «أنا أحب المرأة التي تعتمد على نفسها»، لكنه في الحقيقة يبحث عن زوجة تتحمل مسؤوليات المنزل والأبناء والمشكلات، وتبدأ كل شيء وتتحمل كل شيء، بينما يتراجع هو عن دوره كشريك.

وهناك من يشعر بالتهديد أمام المرأة صاحبة الشخصية والرأي، فيبحث عن زوجة يستطيع فرض قراراته عليها بسهولة، ثم يصفها بأنها «الزوجة التي تريحه».

أما الشك الزائد، فقد يدفع بعض الأزواج إلى وضع قيود واسعة على حياة زوجاتهم وعلاقاتهن وخروجهن وتواصلهن مع الآخرين، وكأن حماية العلاقة لا يمكن أن تتحقق إلا بالرقابة والمنع.

وهنا يجب أن نفرق بين الصفات الإيجابية في الزوجة، وبين استخدامها لتبرير السيطرة عليها.

فالهدوء صفة جميلة، لكنه لا يعني الصمت الدائم.

والقناعة فضيلة، لكنها لا تعني قبول الظلم أو التقصير.

والاعتماد على النفس أمر إيجابي، لكنه لا يعني إعفاء الزوج من مسؤولياته.

والاحترام لا يعني الخضوع.

والاحتواء لا يعني أن يتحمل أحد الطرفين العلاقة وحده.

والزواج الصحي لا يقوم على أن يتنازل طرف باستمرار حتى يشعر الطرف الآخر بالراحة.

المشكلة الحقيقية تبدأ عندما تصبح الزوجة مطالبة طوال الوقت بتعديل شخصيتها حتى تتناسب مع احتياجات الزوج، بينما لا يُطلب من الزوج مراجعة نفسه أو تطوير طريقة تعامله.

مع الوقت، قد تجد المرأة نفسها تسأل قبل كل كلمة: هل سيغضب؟

وقبل كل طلب: هل سيعتبرني كثيرة المطالب؟

وقبل كل موقف: هل سيصفني بالتمرد؟

فتبدأ في الصمت رغم حاجتها إلى الحوار، والتنازل رغم ألمها، وتحمل مسؤوليات تفوق طاقتها، والتخلي تدريجيًا عن مساحتها وشخصيتها، ليس لأنها اقتنعت بأن هذا هو الأفضل، ولكن لأنها أصبحت تخشى خسارة العلاقة.

وهنا لا يصبح الزواج مساحة للنضج المشترك، وإنما يتحول إلى محاولة مستمرة لإرضاء طرف واحد.

والزوجة الصالحة ليست امرأة مكسورة.

هي امرأة تعرف مسؤولياتها، وتحترم زوجها، وتحافظ على بيتها، وتتعامل بمودة ورحمة، وفي الوقت نفسه تمتلك شخصية ووعيًا وحقوقًا وحدودًا.

وكذلك الزوج الصالح ليس الرجل الذي يبحث عن امرأة بلا رأي حتى يشعر بالقوة.

الرجل الناضج لا يخاف من شخصية زوجته، ولا يعتبر اختلافها معه تهديدًا لرجولته، وإنما يستطيع أن يتحاور معها، ويختلف معها، ويبحثان معًا عن حلول تحفظ كرامة الطرفين.

فالزواج في جوهره ليس علاقة بين قائد وتابع، وإنما شراكة تحتاج إلى مسؤولية من الطرفين.

كل طرف مطالب بمراجعة نفسه، والاعتراف بأخطائه، واحترام احتياجات الآخر، والتعامل مع الاختلاف باعتباره أمرًا طبيعيًا في أي علاقة إنسانية.

ومن المهم أيضًا أن نؤكد أن الحديث عن حقوق الزوجة وشخصيتها لا يعني الدعوة إلى العناد أو التمرد أو تجاهل الزوج.

كما أن الحديث عن طاعة الزوج واحترامه لا يعني إلغاء شخصية الزوجة أو مصادرة حقوقها.

التوازن هو الأساس.

أن تراعي شريك حياتك دون أن تلغي نفسك.

أن تتنازل أحيانًا دون أن يتحول التنازل إلى أسلوب حياة.

أن تحافظ على العلاقة دون أن تخسر نفسك داخلها.

وأن تفهم أن نجاح الزواج لا يقاس بمدى قدرة أحد الطرفين على إخضاع الآخر، وإنما بقدرتهما على بناء مساحة آمنة يعيش فيها الاثنان بكرامة واحترام ومودة.

لذلك، قبل أن نقول: «أنا أريد زوجة صالحة»، من المهم أن نسأل أنفسنا:

هل نبحث فعلًا عن شريك حياة صالح؟
أم نبحث عن شخص يناسب عيوبنا ويضمن لنا الراحة مهما كان الثمن الذي سيدفعه؟

فالزواج الناجح لا يحتاج إلى زوجة على مقاس الزوج، ولا إلى زوج على مقاس الزوجة.

إنما يحتاج إلى إنسانين مستعدين أن يكبرا معًا، ويتغيرا للأفضل، ويحافظ كل منهما على كرامة الآخر وكيانه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *