بقلم : محمد فاروق
حتى لا نكرر أخطاء ما قبل النكسة… كيف نحافظ على مكتسبات انتصار أكتوبر المجيد
هناك دروس في تاريخ الأمم لا يجوز أن تتحول إلى مجرد ذكريات نحييها في المناسبات بكلمات وشعارات بل يجب أن تتحول إلى وعي وخارطة طريق تبني وتحمي المستقبل.
ونحن نحتفل بذكرى انتصار أكتوبر المجيد علينا أن نتذكر أيضًا أن نصر أكتوبر لم يأتِ من فراغ وإنما كان نتيجة إعادة بناء للثقة وللوعي والإرادة وادراك حقيقي لقدراتك العسكرية والسياسية بعد تجربة قاسية تركت في وجدان المصريين درسًا لا يجب أن ينسي أو يصير ذكري.
النكسة لم تكن مجرد هزيمة عسكرية بل كانت أيضًا درسًا في خطورة أن يصدق المجتمع كل ما يُقال له إعلامياً وسياسياً دون تدقيق وأن تتحول المعلومات غير الدقيقة أو المضللة إلى قناعات عامة وأن تُتخذ القرارات المصيرية بعيدًا عن القراءة الواقعية الدقيقة للقدرات والظروف .
وتشير الوثائق التاريخية إلى أن الارتباك والمعلومات الخاطئة كان لهما دور في تشكيل صورة الموقف خلال الأيام الأولى للحرب كما كانت مصر تواجه قبل الحرب ضغوطًا اقتصادية وسياسية كبيرة.
ولهذا فإن الدرس الذي يجب أن نتعلمه اليوم ليس الخوف من المستقبل وإنما الاستعداد له بفكر ووعي ودراسة للتاريخ والحاضر والمستقبل وهذا ما أمرناالله ورسوله الكريم صل الله عليه وسلم به .
لا ينبغي للمصري أن يصدق كل ما يراه على مواقع التواصل الاجتماعي ولا كل عنوان مثير ولا كل شائعة ولا كل معلومة مجهولة المصدر وأيضاً لا يستمع الي أجندات إعلامية محلية ودولية لها مأرب معينه في تشكيل الوعي الزائف .
الوعي الوطني الحقيقي ليس أن نصدق كل شيء باسم الوطنية وليس أن نرفض كل شيء باسم المعارضة وإنما يجب علينا جميعاً أن نسأل، ونتحقق، ونقارن، ونبحث عن الحقيقة قبل أن نبني عليها موقفًا أو قرارًا .
كما أن قوة الدولة لا تقوم على الاقتصاد وحده ولا على السلاح وحده ولا على الخطاب السياسي وحده وإنما تقوم على مجتمع متماسك، واقتصاد قادر، ومؤسسات قوية، ووعي شعبي، وشباب يشعر أن وطنه يعني له المستقبل والكرامة والفرصة والأمل .
ومن هنا يجب ألا نسمح بتكرار أي أخطاء سبق وحدثت في تاريخنا المعاصر من آليات ومظاهر واحداث أراها تتكرر بكل براعة يمكن أن تضعف المجتمع من الداخل سواء كان ذلك استهانة بالدين والقيم، أو تراجعًا في الأخلاق والثوابت ، أو تفككًا اجتماعيًا، أو ابتعادًا عن المسؤولية الدينية والأخلاقية، أو فقدانًا للانتماء بسبب عوامل كثيرة .
الحفاظ على الدين والأخلاق والقيم الإنسانية لا يعني الانغلاق والابتعاد عن العالم وإنما يعني أن ندخل إلى المستقبل ونحن نعرف من نحن وما هي هويتنا الرئيسية ونحافظ على أفضل ما ورثناه من تاريخ وأصالة وعراقة مجتمعنا المصري من شهامة واحترام وتكافل ورحمة وتحمل للمسؤولية .
اليناء والتأسبس يجب أن يبدأ من خلال أطفال مصر وشبابها فهم خط الدفاع الأول عن مستقبلها.
نريد أن نزرع فيهم الشجاعة لا التهور، والوطنية لا التعصب، والاعتزاز بمصر لا الولاء أو العداء للآخر، والاختلاف يكون بالحوار لا بالكراهية، والنجاح بالعمل والتعلم لا بالشعارات الجوفاء والاحصائيات المضللة.
نريد جيلًا يعرف تاريخ بلاده وعراقتها بين الأمم ويفهم كيف تحولت هزيمة 1967 إلى إرادة أعادت بناء القوات المسلحة ثم تحولت الإرادة والعزيمة إلى انتصار أكتوبر العظيم.
ولا يكفي أن نحتفل بانتصار أكتوبر كل عام بطرق تقليدية حفظناها جميعا بل يجب أن نحافظ على مكتسباته في وعينا وسلوكنا ووحدتنا وقدرتنا على حماية الدولة ومؤسساتها ومقدراتها من كيد وتربص الأعداء .
ورسالة إلى الحكومة المصرية:
يجب إن نحافظ على الوطن وهذا لا يكون فقط بالمشروعات والقرارات الاقتصادية التي تزيد الفجوة بين المواطن والدولة والتي تضعف الإهتمام والإنتماء وإنما بالعمل الجاد وبالحفاظ على الثقة بين الدولة والمواطن .
فكلما اتسعت المسافة بين الحكومة والشعب زادت مساحة الشائعات وسوء الفهم وفقدان الثقة وبالتالي ضعف الانتماء وفقدان الهوية وهي أهم أسلحة يستخدمها العدو ضد البلد .
وليعلم أصحاب القرار السياسي والحكومة أن كلما شعر الشباب بأن صوته غير مسموع أو أن مستقبله غير واضح أو أن مشاركته في بناء وطنه غير مؤثرة اتسعت فجوة الانتماء ودمرنا بأيدينا مستقبلنا .
ولذلك فإن المصارحة، وشرح القرارات السياسية بدون تضليل، والاستماع إلى المواطنين، وإتاحة المعلومات الموثوقة، والتعامل مع المشكلات وطرح حلولها بوضوح كلها أدوات ضرورية لبناء الثقة بين الدوله والشعب .
الشباب المصري لا يحتاج إلى خطاب يطالبه بالانتماء فقط وإنما يحتاج إلى أن يرى أسبابًا حقيقية تجعله يشعر بأن هذا الوطن وطنه وأن مستقبله مرتبط بمستقبل مصر .
رسالتنا جميعًا يجب أن تكون واضحة:
لا نريد أن نساعد عدونا في بناء خط بارليف جديد
لا نريد نكسة جديدة في الوعي والضمير والأخلاق وبالتالي في مستقبل الوطن .
لا نريد أن تتحول الشائعة إلى حقيقة.
لا نريد أن يحل التدليس والتضليل محل المعلومات الصحيحة.
لا نريد أن يصبح اليأس أقوى من الأمل.
ولا نريد أن تفقد الأجيال الجديدة انتمائها وصلتها بتاريخها وقيمها ووطنها.
نريد مصر قوية بوعي شعبها وبأخلاق أبنائها وبقدرة وقوة مؤسساتها وباقتصادها وبشبابها وبجيشها وبوحدة مجتمعها.
يجب علينا أن نتعلم من أخطاء الماضي ولا نعيش أسرى له.
نحافظ على أخلاقنا وقيمنا وانتمائنا.
نرفض الكذب والتضليل من أي جهة أو مؤسسة داخل الدولة .
ونحافظ على مكتسبات نصر أكتوبر لأن الانتصار الحقيقي لا يكون فقط في عبور خط دفاع للعدو وإنما في أن يظل الشعب قادرًا على حماية وطنه من كل ما يهدد مستقبله.
مصر تستحق منا جميعاً أن نتعلم من تاريخها المشرف منذ مهد التاريخ.
وأن نقرأ بوعي في تاريخنا صفحات الانكسار والتدهور حتى نتعلم ولانكرر الأخطاء .
وأن نحافظ على حاضر ومستقبل الوطن .
وأن نبني لأبنائنا مستقبلًا أفضل أساسة التمسك بكتاب الله وشريعته والعدالة والأخلاق والعزة والكرامة .
اللهم بلغت اللهم فاشهد

