أحمد بدوي يكتب:
لا يضيع الإنسان فجأة، ولا يستيقظ ذات صباح ليكتشف أنه أصبح شخصًا آخر. الضياع يبدأ غالبًا من تفاصيل صغيرة لا نمنحها اهتمامًا كافيًا؛ موعد لا نحترمه، كلمة لا نفي بها، مسؤولية نؤجلها، أو خطأ نبحث له عن مبرر. ومع تكرار الأمر، يتحول الاستثناء إلى عادة، والعادة إلى سلوك، حتى يصبح ما كان يؤلم ضميرنا يومًا أمرًا عاديًا.
فالإنسان يتشكل بما يكرره أكثر مما يتشكل بما يقوله عن نفسه. قد يتعثر، وقد يتعب، وقد يمر بظروف تجعله أقل قدرة على العطاء، وهذا طبيعي. لكن الفارق الحقيقي ليس في السقوط، وإنما في القدرة على النهوض قبل أن يتحول السقوط إلى أسلوب حياة.
المشكلة تبدأ حين يصبح الإنسان أكثر براعة في تبرير أخطائه من مواجهتها. عندها تتغير معاييره دون أن يشعر، ويتحول التأجيل إلى عادة، والاعتذار إلى كلمة مؤجلة، والمسؤولية إلى عبء يحاول التخلص منه. ومع الوقت قد يواصل حياته بصورة طبيعية أمام الآخرين، بينما يشعر في داخله أنه ابتعد كثيرًا عن الشخص الذي كان يتمنى أن يكونه.
وفي زمن السرعة، أصبحنا نريد نتائج بلا انتظار، ونجاحًا بلا تراكم، وعلاقات مستقرة بلا جهد. لكن الأشياء التي تستحق لا تُبنى بهذه الطريقة؛ فالثقة تحتاج وقتًا، والنجاح يحتاج صبرًا، والشخصية تحتاج مراجعة مستمرة. والالتزام ليس قيدًا، بل احترام للذات قبل الآخرين؛ أن تكون كلمتك لها قيمة، وأن تتحمل نتيجة اختياراتك، وأن تعرف أن ما تفعله اليوم يصنع الإنسان الذي ستكونه غدًا.
ومع ذلك، لا يعني الابتعاد أن الطريق انتهى. فالعودة ممكنة، وقد تبدأ بلحظة صدق واحدة: أن يعترف الإنسان بأنه أخطأ، وأن يتوقف عن البحث عن الأعذار، وأن يصلح ما يستطيع إصلاحه. قد لا يستعيد كل ما فقده، لكنه يستطيع على الأقل ألا يفقد المزيد.
وربما يعيش الانسان صراعا داخليا بين الخير والشر بين صحوة الضمير وبين قتله حتي يصل إلى حالة وشخص لا يعرفه وإنما كان يتمني إن يكون شخصا طوال عمره صورة حية أمامه أخلاق عالية وتصرفات وأعمال صادقة لا يخون ولا يكذب هذا هو الوجه الشخص الذي حلم أن يكونه.
فأحيانًا لا يكون الضياع أن نفقد الطريق أو نضلها، إنما نعرفه جيدًا ثم نحيد عنه ،ثم نختار، مرة بعد أخرى، حتي نبتعد عنه، ونصبح شخصا آخر غارق في الضلال والأكاذيب والهشوة والملذات .

