هيبة الدولة خط أحمر.. وسيادة القانون تبدأ من احترام مؤسساتها وموظفيها

أحمد بدوي يكتب: 

تظل هيبة الدولة أحد أهم مرتكزات الاستقرار، باعتبارها انعكاسًا مباشرًا لاحترام القانون، وقوة مؤسسات الدولة، وقدرتها على أداء مهامها وإنفاذ قراراتها بما يحقق الصالح العام ويحفظ حقوق المواطنين.

وهيبة الدولة لا تعني استخدام السلطة في مواجهة المواطن، وإنما تعني أن يكون القانون هو المرجعية الأولى والأخيرة للجميع، وأن تعمل مؤسسات الدولة وفق قواعد واضحة، وأن يحظى الموظف العام بالحماية اللازمة أثناء أداء مهامه، بالتوازي مع ضمان حق المواطن في الحصول على الخدمة والتظلم والاعتراض بالطرق القانونية.

وفي هذا السياق، يأتي دور المحافظ باعتباره المسؤول التنفيذي الأول في المحافظة، والممثل التنفيذي للدولة في نطاقها، حيث تقع على عاتقه مسؤولية متابعة أداء الأجهزة التنفيذية، وتحسين الخدمات، والتعامل مع الأزمات، ومواجهة المخالفات، والحفاظ على المرافق والممتلكات العامة، وذلك كله في إطار الدستور والقانون.

ومن هنا فإن دعم المحافظ وتمكينه من ممارسة اختصاصاته القانونية لا يعني منحه صلاحيات مطلقة، وإنما يعني توفير الأدوات والإمكانيات التي تمكنه من تنفيذ القرارات المشروعة ومتابعة أداء الأجهزة التابعة له، بما يضمن سرعة الاستجابة وتحقيق الانضباط داخل الجهاز الإداري.

فلا يمكن أن تكون هناك إدارة محلية قوية إذا كانت القرارات القانونية تواجه بالتعطيل أو التراخي، كما لا يمكن أن تستقيم منظومة العمل الحكومي إذا لم تكن المسؤوليات واضحة، والاختصاصات محددة، والقرارات قابلة للتنفيذ في إطار القانون.

الموظف العام جزء من هيبة الدولة،ولا تتوقف هيبة الدولة عند مستوى المحافظ أو القيادات التنفيذية، وإنما تمتد إلى كل مؤسسة ومصلحة حكومية، وإلى كل موظف يؤدي عمله وفقًا للقانون.
ويأتي الشهر العقاري والتوثيق في مقدمة الجهات التي تتعامل بصورة مباشرة مع مصالح المواطنين وحقوقهم ومعاملاتهم الرسمية، وهو ما يجعل الالتزام بالقواعد والإجراءات القانونية داخل هذه المنظومة أمرًا بالغ الأهمية.

ومن هذا المنطلق، فإن مدير الشهر العقاري، شأنه شأن الموظف العام المختص، له الحق الكامل في أداء مهامه الوظيفية وممارسة اختصاصاته المقررة قانونًا، واتخاذ الإجراءات اللازمة في حدود سلطاته، دون ضغوط أو تدخلات غير مشروعة أو محاولات لتعطيل عمله.

فالتمسك بالإجراءات القانونية ليس تعقيدًا لمصالح المواطنين، وإنما هو في كثير من الأحيان ضمانة لحماية حقوقهم ومنع وقوع الأخطاء أو المنازعات أو التلاعب في المعاملات.

وإذا كان للمواطن حق أصيل في الحصول على الخدمة والاعتراض على أي إجراء يراه غير صحيح، فإن من حق الموظف أيضًا أن يؤدي عمله في بيئة تحفظ له كرامته واستقلاله الوظيفي، ما دام ملتزمًا بالقانون واللوائح المنظمة لعمله.

الاختلاف لا يعني التعطيل، يجب علينا التفرقة بين حق المواطن في الاعتراض والمطالبة بحقه، وبين تعطيل الموظف عن أداء عمله.
فالقانون أتاح للمواطنين طرقًا متعددة للتظلم والشكوى والطعن، كما أتاح للجهات المختصة آليات الرقابة والمحاسبة.
وبالتالي، فإن أي خلاف حول إجراء أو قرار يجب أن يظل داخل الإطار القانوني، بعيدًا عن الضغوط الشخصية أو الإساءة أو التهديد أو محاولة فرض الأمر الواقع.

فالموظف ليس خصمًا للمواطن، والمواطن ليس خصمًا للموظف؛ وإنما يجمعهما هدف واحد هو تطبيق القانون وإنجاز المصلحة العامة.

فإن حماية الموظف الملتزم فهي حماية للمؤسسة،وحماية الموظف العام أثناء قيامه بواجباته القانونية لا تعني تحصينه من المساءلة، وإنما تعني توفير المناخ الذي يمكنه من اتخاذ القرار الصحيح دون خشية من ضغوط خارج إطار القانون.

وفي المقابل، فإن أي موظف يثبت تقصيره أو تجاوزه يجب أن يخضع للمساءلة وفقًا للقواعد القانونية، لأن هيبة الدولة لا تعني حماية الخطأ، وإنما حماية القانون والمؤسسة والحق.
وهنا تكمن قوة الدولة الحقيقية؛ في أن يعرف المسؤول حدود اختصاصه، ويعرف الموظف حقوقه وواجباته، ويعرف المواطن طرق الحصول على حقه، وأن تكون المرجعية في النهاية هي القانون وحده.

كما أن الإعلام شريك في حماية المصلحة العامة
ولا يمكن الحديث عن هيبة الدولة دون الإشارة إلى الدور المهم للإعلام، الذي يمثل إحدى أدوات الرقابة المجتمعية وكشف أوجه القصور وتسليط الضوء على مشكلات المواطنين، ولكن ليس بهذا الاسفاف وطريقة التناول الغير مهنية التي تفرض التحقق من المعلومات، والاستماع إلى مختلف الأطراف، والتمييز بين النقد الموضوعي وبين تحويل الخلافات الفردية إلى أحكام عامة على مؤسسات الدولة.
فالإعلام المهني لا يجامل المسؤول، لكنه في الوقت ذاته لا يهدم الثقة في مؤسسات الدولة، وإنما يسعى إلى كشف الخلل ووضعه أمام المسؤولين بهدف الإصلاح وتحقيق المصلحة العامة، لأن هيبة الدولة مسؤولية مشتركة،
وهيبة الدولة لا يصنعها مسؤول واحد، ولا تحميها جهة واحدة، وإنما هي مسؤولية مشتركة بين مؤسسات الدولة والمواطنين والموظفين والإعلام والمجتمع المدني.

فالدولة القوية هي التي تطبق القانون على الجميع، وتحمي موظفها الملتزم، وتحاسب المخطئ، وتستمع إلى المواطن، وتوفر له سبل التظلم، وتضمن في الوقت ذاته عدم تعطيل المرافق العامة أو الاعتداء على العاملين بها أثناء أداء واجباتهم.

ومن هنا فإن المعادلة واضحة،محافظ يمارس اختصاصاته في إطار القانون، وأجهزة تنفيذية تستجيب للقرارات المشروعة، وموظف يؤدي واجبه دون ضغوط، ومواطن يحصل على حقه بالطرق القانونية؛ هي منظومة واحدة عنوانها دولة قوية يحكمها القانون.

وفي النهاية، فإن هيبة الدولة ليست شعارًا، وإنما ممارسة يومية تبدأ من احترام القانون، وتمتد إلى احترام مؤسسات الدولة وموظفيها، وتنتهي عند تحقيق العدالة وحماية حقوق المواطنين.
وحين يكون القانون فوق الجميع، وتكون المصلحة العامة هي المعيار، ويؤدي كل مسؤول وموظف واجبه في حدود اختصاصه، فإن هيبة الدولة لا تحتاج إلى شعارات؛ لأنها تصبح واقعًا يلمسه المواطن في حياته اليومية.

فالدولة القوية لا تفرض هيبتها بالصوت المرتفع، وإنما بقوة القانون، وعدالة التطبيق، واحترام مؤسساتها، وحماية كل من يؤدي واجبه لخدمة الوطن والمواطن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *