تحليل فني: محمد فاروق
تعادل الأهلي مع المقاولون العرب 1-1 في المباراة التي جمعت الفريقين مساء الأربعاء على استاد المقاولون العرب، ضمن الجولة الرابعة من الدوري الممتاز، في مباراة كشفت بوضوح أن امتلاك الكرة وحده لا يكفي لصناعة الخطورة، وأن بطء نقل الكرة وغياب اللعب من لمسة واحدة كانا من أهم أسباب معاناة الأهلي أمام التنظيم الدفاعي المحكم لـ«ذئاب الجبل».
المقاولون تقدم في الدقيقة 39 عن طريق إسلام جابر من ركلة جزاء احتسبها الحكم محمود بسيوني بعد عرقلة محمد هاني لعمر كمال عبد الواحد، بينما أدرك الأهلي التعادل في الدقيقة 56 عن طريق أحمد سيد زيزو من ركلة جزاء حصل عليها أشرف بن شرقي. كما ألغى الحكم هدفًا لمنصف بقرار في الدقيقة 62 بعد تدخل تقنية الفيديو وتأكيد قرار الحكم المساعد.
مباراة بدأت بتكتيك متشابه.. وانتهت بصراع على المساحات
اللافت فنيًا أن الفريقين دخلا المباراة بأفكار متقاربة في التنظيم، مع اعتماد الأهلي على شكل 4-3-2-1، بينما ظهر المقاولون بتنظيم دفاعي شديد الانضباط، جعل منطقة وسط الملعب نقطة الارتكاز الأساسية في عملية إفساد بناء الأهلي.
وخلال الدقائق الأولى، نجح سامي قمصان في تنفيذ فكرته بوضوح: غلق العمق، تضييق المساحات أمام زيزو وبن شرقي، ومنع التمريرة الأولى السريعة خلف خط الوسط.
الأهلي كان يمتلك الكرة، لكنه لم يكن يمتلك المساحة.
وهنا ظهر الفارق بين الاستحواذ الإيجابي والاستحواذ العقيم.
فكلما وصلت الكرة إلى أحد لاعبي الأهلي، كان المقاولون يعيد تشكيل خطوطه بسرعة، فتختفي المساحة أمام حامل الكرة، ويضطر اللاعب إلى الاحتفاظ بها لثوانٍ إضافية قبل اتخاذ القرار.
وهذه الثواني القليلة كانت كافية بالنسبة لدفاع المقاولون لإعادة تنظيم نفسه.
أول 25 دقيقة.. قمصان يكسب معركة الوسط
في أول 20 إلى 25 دقيقة تحديدًا، كان المقاولون هو الفريق الأكثر نجاحًا في تنفيذ الخطة.
لم يكن الهدف مجرد الدفاع، وإنما تحويل وسط الملعب إلى منطقة انتقال.
وعند افتكاك الكرة، لم يكن المقاولون يحاول بناء هجمة طويلة، وإنما كان يبحث سريعًا عن الكرة الطولية أو البينية خلف دفاع الأهلي.
وهذا ما ظهر بوضوح في أخطر فرصة للمقاولون خلال الشوط الأول، عندما وصلت الكرة إلى المهاجم إدريسا إنيام الذي نجح في التعامل معها ومراوغة عمرو الجزار قبل أن تصطدم الكرة بقدم مدافع الأهلي وتخرج خارج الملعب.
وهنا يمكن تسجيل نقطة فنية مهمة:
قمصان لم يكن يريد التفوق العددي في الهجوم، وإنما كان يريد التفوق في المساحة خلف خط وسط الأهلي.
المقاولون لعب على نقطة ضعف واضحة
المقاولون قرأ جيدًا طبيعة دفاع الأهلي.
وجود مهاجم سريع وقوي مثل إدريسا إنيام أعطى أصحاب الأرض خيارًا تكتيكيًا مهمًا:
استدراج الأهلي إلى الأمام ثم إرسال الكرة خلف خط الدفاع.
وبالتالي أصبح الأهلي أمام معادلة صعبة:
إذا تقدم الخط الدفاعي بحثًا عن الضغط، ظهرت المساحة خلفه.
وإذا تراجع، أصبح البناء الهجومي أبطأ، وهو ما حدث بالفعل.
ومن هنا جاءت أفضلية المقاولون في أجزاء كبيرة من الشوط الأول.
ركلة الجزاء.. تتويج لجرأة المقاولون
في الدقيقة 36 احتسب الحكم محمود بسيوني ركلة جزاء للمقاولون بعد عرقلة محمد هاني لعمر كمال عبد الواحد، ثم نجح إسلام جابر في تحويلها إلى هدف في الدقيقة 39.
والهدف لم يكن مجرد تفصيلة منفصلة عن أحداث المباراة؛ بل جاء نتيجة طبيعية لضغط المقاولون على المساحات وتحويل إحدى التحولات الهجومية إلى موقف داخل منطقة الجزاء.
وفي المقابل، أنهى الأهلي الشوط الأول دون صناعة خطورة هجومية تتناسب مع أسماء لاعبيه.
بل إن أخطر محاولة حمراء جاءت في الوقت بدل الضائع عندما قابل عمرو الجزار عرضية زيزو بضربة رأس مرت خارج الشباك.
فنيًا: المقاولون فاز بالشوط الأول 1-0، لكنه في الحقيقة فاز أيضًا بمعركة المساحات.
الشوط الثاني.. الأهلي يرفع السرعة فتتغير الصورة
دخل الأهلي الشوط الثاني بصورة مختلفة تمامًا.
ارتفع الإيقاع، وأصبح التحرك بدون كرة أفضل، وبدأت الكرة تصل إلى الثلث الهجومي بصورة أسرع.
والأهم أن الأهلي بدأ يلعب بشكل مباشر أكثر.
وهنا ظهرت أهمية السرعة في تداول الكرة.
فالكرة عندما تتحرك بسرعة، يصبح الدفاع أمام قرار أصعب، أما عندما تصل إلى اللاعب ثم يتوقف بها، فإن المدافعين يحصلون على الوقت الكافي لإغلاق كل الممرات.
وفي الدقيقة 56 حصل أشرف بن شرقي على ركلة جزاء بعد عرقلته، وتولى زيزو التنفيذ بنجاح مسجلًا هدف التعادل.
وهذه نقطة مهمة للتدقيق: الركلة حصل عليها بن شرقي، لكن زيزو هو من سجل هدف التعادل.
زيزو.. تأثيره لا يقتصر على التسجيل
هدف التعادل منح زيزو قيمة إضافية في المباراة، لكنه في الوقت نفسه كشف حقيقة مهمة:
عندما ارتفع إيقاع الأهلي وأصبحت الكرة تنتقل بسرعة أكبر، بدأ تأثير زيزو وبقية العناصر الهجومية يظهر بصورة أوضح.
وهذا يؤكد أن مشكلة الأهلي لم تكن في غياب الحلول الفردية فقط، وإنما في كيفية إيصال الكرة إلى هذه الحلول في الوقت المناسب.
هدف بقرار الملغى.. تفاصيل صغيرة حسمها الـVAR
وفي الدقيقة 62 سجل منصف بقرار هدفًا للأهلي، لكن الهدف لم يُحتسب، بعدما ألغاه الحكم المساعد وأكدت تقنية الفيديو صحة القرار.
وهذه اللقطة تؤكد أيضًا أن الأهلي في الشوط الثاني نجح في الاقتراب بصورة أكبر من مرمى المقاولون، لكن الوصول إلى منطقة الجزاء لا يعني بالضرورة السيطرة الكاملة على المباراة.
التغيير الأهم.. دخول إمام عاشور
في الدقيقة 59 دفع الأهلي بـإمام عاشور وأحمد رضا بدلًا من أشرف بن شرقي وعلي محمود، في محاولة واضحة لزيادة القدرة على الاختراق والسيطرة على منطقة وسط الملعب.
لكن المشكلة الأساسية استمرت:
الكرة ما زالت تتحرك أبطأ مما يجب.
وهذه هي النقطة التي أراها الأهم في قراءة المباراة.
الأهلي لا يحتاج فقط إلى زيادة عدد اللاعبين في الثلث الهجومي، وإنما يحتاج إلى تقليل زمن اتخاذ القرار.
لمسة واحدة بدلًا من لمستين.
تمرير سريع بدلًا من الاحتفاظ.
تحرك بدون كرة قبل وصول التمريرة، وليس بعدها.
هذه التفاصيل هي التي كانت غائبة بصورة واضحة في أجزاء كبيرة من المباراة.
بالأرقام.. الأهلي حافظ على سجله القوي أمام المقاولون
قبل مباراة الليلة، كان الأهلي قد واجه المقاولون العرب 83 مرة في الدوري الممتاز، حقق خلالها 60 انتصارًا مقابل 7 انتصارات للمقاولون و16 تعادلًا، وسجل الأهلي 149 هدفًا مقابل 47 هدفًا للمقاولون.
وبإضافة تعادل الليلة، تصبح الحصيلة التاريخية في الدوري:
– 84 مباراة.
– الأهلي فاز في 60 مباراة.
– المقاولون فاز في 7 مباريات.
– التعادل أصبح 17 مرة.
– الأهلي رفع رصيده التهديفي إلى 150 هدفًا.
– المقاولون رفع رصيده إلى 48 هدفًا.
أي أن الأهلي سجل في المتوسط نحو 1.79 هدفًا في المباراة أمام المقاولون عبر تاريخ مواجهات الدوري، مقابل نحو 0.57 هدف للمقاولون.
أحمد بلال.. الهداف التاريخي للمواجهة
ولا يزال أحمد بلال يحتفظ بصدارة هدافي الأهلي في تاريخ مواجهاته أمام المقاولون العرب برصيد 7 أهداف.
ويأتي خلفه:
– حسام حسن: 6 أهداف.
– محمد أبو تريكة: 6 أهداف.
– علاء إبراهيم: 4 أهداف.
– طاهر محمد طاهر: 4 أهداف.
– عبد الله السعيد: 4 أهداف.
وتؤكد سجلات النادي الأهلي أن بلال سجل أربعة أهداف «سوبر هاتريك» في أكبر انتصار للأهلي على المقاولون، عندما فاز الأحمر 6-2 موسم 2002-2003.
آخر 10 سنوات.. تفوق أهلاوي واضح مع استثناءين
وبالعودة إلى آخر عشر سنوات من مواجهات الفريقين، منذ سبتمبر 2016 وحتى مباراة الليلة، التقى الفريقان 21 مرة في مختلف البطولات وفق سجل المواجهات المنشور.
والحصيلة جاءت كالتالي:
الأهلي فاز 15 مرة، تعادل 4 مرات، وخسر مرتين فقط.
ومن أبرز النتائج خلال هذه الفترة:
– المقاولون 0-2 الأهلي – سبتمبر 2016.
– الأهلي 2-0 المقاولون – فبراير 2017.
– المقاولون 0-3 الأهلي – فبراير 2018.
– الأهلي 5-2 المقاولون – فبراير 2018.
– المقاولون 0-1 الأهلي – نوفمبر 2018.
– المقاولون 1-3 الأهلي – يوليو 2019.
– المقاولون 0-2 الأهلي – يناير 2020.
– الأهلي 1-0 المقاولون – أكتوبر 2020.
– الأهلي 3-2 المقاولون – يناير 2021.
– المقاولون 0-2 الأهلي – يوليو 2021.
– الأهلي 1-0 المقاولون – نوفمبر 2021.
– الأهلي 1-1 المقاولون – يناير 2022 «كأس الرابطة».
– المقاولون 0-0 الأهلي – يوليو 2022.
– الأهلي 1-1 المقاولون – نوفمبر 2022 «كأس مصر».
– الأهلي 2-1 المقاولون – مارس 2023.
– المقاولون 1-4 الأهلي – يوليو 2023.
– المقاولون 1-2 الأهلي – نوفمبر 2023.
– الأهلي 4-0 المقاولون – أغسطس 2024.
– الأهلي 0-3 المقاولون – ديسمبر 2025 «كأس الرابطة».
– المقاولون 1-3 الأهلي – مارس 2026.
– المقاولون 1-1 الأهلي – سبتمبر 2026.
وتظهر هذه القائمة أن مباراة الليلة جاءت بعد سلسلة من النتائج الإيجابية للأهلي أمام المقاولون، لكنها أيضًا أكدت أن ذئاب الجبل أصبحوا قادرين على إزعاج الأهلي عندما ينجحون في فرض المباراة التكتيكية المناسبة لهم.
الخلاصة الفنية
الأهلي لم يخسر المباراة، لكنه خسر نقطتين كان يبحث عنهما بقوة.
والمقاولون لم يكن أفضل من الأهلي في جودة الأسماء أو القدرات الفردية، لكنه كان أفضل منه في أجزاء كبيرة من الشوط الأول في الانضباط التكتيكي، وإغلاق المساحات، والتحول السريع من الدفاع إلى الهجوم.
أما الأهلي فكانت مشكلته الأساسية في رأيي واضحة:
بطء تدوير الكرة، تأخر القرار، وقلة التحرك قبل وصول التمريرة.
وعندما رفع الأهلي سرعة اللعب في الشوط الثاني، تغير شكل المباراة تمامًا، ونجح في العودة إلى التعادل، بل كان قريبًا من قلب النتيجة.
لكن الوصول إلى مستوى الأهلي الحقيقي يتطلب أكثر من رد الفعل بعد التأخر.
الأهلي الكبير يجب أن يبدأ المباراة بنفس سرعة وشراسة الفريق الذي ظهر في الشوط الثاني، وليس أن ينتظر هدفًا في مرماه حتى يبدأ في رفع الإيقاع.
أما سامي قمصان، فنجح في تقديم مباراة تكتيكية قوية أمام فريق يفوق المقاولون بفارق كبير في الإمكانات، وأثبت أن التنظيم والانضباط والقراءة الصحيحة لنقاط قوة المنافس يمكن أن تجعل الفوارق الفردية أقل تأثيرًا داخل الملعب.
النتيجة: المقاولون العرب 1 – 1 الأهلي
إسلام جابر 39′ – أحمد سيد زيزو 56′
رجل المباراة تكتيكيًا: سامي قمصان
أبرز ملاحظة على الأهلي: بطء نقل الكرة وتأخر القرار الهجومي.
أبرز نقطة قوة للمقاولون: إغلاق العمق واستغلال المساحات خلف دفاع الأهلي.

