بقلم الكاتب الصحفي: عبده زعلوك
أعلنت إثيوبيا أن واشنطن وافقت على رفع التعاون العسكري بينهما إلى “شراكة استراتيجية شاملة”، عقب مباحثات في البنتاغون يومي 19 و20 أغسطس.
المفارقة أن الإعلان جاء من طرف واحد، بينما التزمت واشنطن صمتا رسمياً. في الدبلوماسية، الصمت ليس فراغاً بل رسالة مؤجلة: هل تحولت إثيوبيا إلى أداة ضغط أمريكية غير مباشرة على مصر، لرفض القاهرة الانخراط في حرب إيران؟
منذ اندلاع الحرب الأمريكية-الإسرائيلية مع إيران في فبراير 2026، اختارت مصر الحياد النشط: لا انخراط عسكري، ودفع نحو التفاوض بالتنسيق مع السعودية. هذا الموقف له كلفة. فترامب ضغط على حلفاء إقليميين متعددين “مصر، السعودية، قطر، تركيا، باكستان” للانضمام إلى ترتيبات موجهة ضد طهران، وانسحبت القاهرة من مفاوضات “التحالف الاستراتيجي للشرق الأوسط”. جوهر الحساب هنا اقتصادي-سياسي: استقرار قناة السويس والبحر الأحمر يفوق أي مكسب من الانخراط في مواجهة مفتوحة. لكن الحياد له ثمن، وواشنطن، التي لا تملك أداة ضغط مباشرة على مصر، وجدت في إثيوبيا بديلاً أرخص وأكثر نعومة.
بعد ثلاثة أيام فقط، في 16 أغسطس، أعلن وزير المياه الإثيوبي أن تدفقات النيل باتت “تحت سيطرة” أديس أبابا، مع خطط لثلاثة سدود جديدة على النيل الأزرق بتكلفة 10.5 مليار دولار ترفع الطاقة التخزينية الإثيوبية إلى ضعف سعة سد النهضة.
هذا التصعيد حلقة أخيرة في تسلسل يكشف منطقه عند وضعه بجانب توقيت الحرب على إيران: رسالة ترامب للسيسي في 16 يناير للوساطة مع اثيوبيا لم تكن بادرة معزولة، بل جاءت في قلب أسبوع بدأت فيه واشنطن حشد أصولها العسكرية فعلياً. بعد ثلاثة أيام فقط من دعوة ترامب العلنية للإيرانيين بـ”السيطرة على مؤسساتهم”، وقبل أسبوع واحد من إعلانه تحريك حاملة طائرات ومجموعة قتالية كاملة نحو الخليج. الرسالة إذن لم تكن عن مصر بقدر ما كانت تحصيناً استباقيا لعلاقة واشنطن بحليف يتحكم بالسويس والبحر الأحمر، قبل أن تشتعل المنطقة بأكملها.
لكن الاختبار الحقيقي جاء بعد الضربة مباشرة: حين شنت واشنطن وإسرائيل هجومهما على إيران في 28 فبراير، ضغط ترامب على حلفائه الإقليميين “مصر، السعودية، قطر، تركيا، باكستان” للانضمام إلى ترتيبات أمنية موجهة ضد طهران، فانسحبت القاهرة من مفاوضات “التحالف الاستراتيجي للشرق الأوسط”.
وبعد الرفض المصري الصريح، جاء الرد: في مارس أعلنت إثيوبيا خطتها للسدود الثلاثة، وفي أبريل طرحت مناقصات تنفيذها. بمعنى آخر، وعد يناير بالوساطة على النيل الذي مُنح لمصر في لحظة كانت واشنطن تحتاج فيها لتهدئتها قبل الحرب سقط بمجرد أن رفضت القاهرة الثمن المطلوب بعد الحرب.
وحين تكرر الرفض المصري بثبات طوال الأشهر التالية، تكرر التصعيد الإثيوبي معه: تصريح 16 أغسطس بالتزامن مع إعلان إثيوبيا دخول “اتفاقية الإطار التعاوني لمياه النيل” “اتفاقية عنتيبي” حيز التنفيذ رسمياً سبق مباشرة ترقية الشراكة العسكرية الأمريكية-الإثيوبية بثلاثة أيام فقط.
أربع محطات بهذا الترتيب الزمني الدقيق رسالة تهدئة قبل الحرب، تصعيد بعد الرفض، تصعيد موازٍ لكل رفض لاحق، ثم مكافأة عسكرية لإثيوبيا تتزامن مع آخر تصعيد لا تُقرأ كصدفة، بل كتنسيق مُدار: واشنطن تزج باثيوبيا للضغط علناً، بينما تحتفظ هي بصمت رسمي يمنحها إنكاراً معقولاً، في مقايضة غير معلنة مع مصر ثمن الحياد في حرب إيران يُدفع على ضفاف النيل.
الرد المصري الرسمي على السدود الجديدة جاء هادئاً: المعلومات “ليست جديدة”، والدولة “لن تسمح” دون تصعيد لفظي. هذا الهدوء يعكس مساراً بديلاً: تحويل المعركة من ساحة النيل المباشرة حيث الأوراق محدودة إلى تطويق إقليمي غير مباشر عبر ثلاث جبهات:
مصر لا تحتاج لافتعال أزمات إثيوبيا. الحرب في تيغراي، وتمرد ميليشيات فانو الأمهرية، ومواجهات جيش تحرير أورومو، قائمة أصلاً. اتهام السفير الإثيوبي لدى كينيا لمصر علنا بدعم خصوم أديس أبابا، دون نفي مصري رسمي، يرجح تدخلا غير مباشر وإن ظل غير مؤكد بدليل قاطع. وتضع Crisis Group “مجموعة الأزمات الدولية” هذا التموضع في سياق أوسع: إثيوبيا قريبة من داعمي قوات الدعم السريع في حربها ضد السودان، بينما اصطفت إريتريا مع الجيش السوداني وتقاربت مع مصر أي أن القاهرة تبني تحالفاً متعدد الطبقات “إريتريا، السودان، الصومال” يحاصر إثيوبيا من أطرافها، بينما يبقى خطابها الرسمي هادئا.
في مايو 2026 وقعت مصر وإريتريا اتفاق ربط بري يصل الإسكندرية وقناة السويس بأسمرة عبر السودان، إلى جانب اتفاقية نقل بحري، وتأكيد مصري صريح على “دعم سيادة إريتريا ووحدة أراضيها” رسالة ردع مباشرة لأديس أبابا في وقت تتصاعد فيه شكوك أسمرة تجاه إثيوبيا حول ميناء عصب وإقصائها من تفاهمات سلام تيغراي
في يوليو 2026 استضافت القاهرة لقاءات جمعت وزير خارجيتها مع كبير مستشاري ترامب للشؤون الأفريقية ووزيري خارجية إريتريا والصومال، لتنسيق أمني ثلاثي يقصر إدارة أمن البحر الأحمر على الدول المشاطئة له استبعاد ضمني لطموح إثيوبيا التاريخي في الوصول إلى البحر.
بهذا المنطق، صمت القاهرة تجاه السدود ليس استسلاماً، بل رفض إهدار طاقة دبلوماسية في معركة إعلامية لا تغير وقائع هندسية على الأرض، مقابل استثمار فعلي في تطويق أبطأ لكن أعلى كلفة على إثيوبيا.
ما يجمع حرب إيران وملف سد النهضة ليس صدفة توقيت، بل منطق واحد: لا عقاب مباشر، بل إعادة توزيع أوراق القوة حول الحليف المتردد، مع ترك الغموض أداة ضغط بحد ذاتها. تحول هذا الأسلوب تجاه الوكلاء الإقليميون كأداة ضغط غير معلنة إلى نمط متكرر في إدارة واشنطن لحلفائها، يضعف الثقة طويلة الأمد في الضمانات الأمريكية، ويدفع دولاً كمصر لتنويع تحالفاتها “الخليج، الصين، روسيا” كتأمين ضد تقلب الموقف الأمريكيى
السؤال وهنا: طالما بقي الإعلان الأمريكي عن الشراكة مع إثيوبيا معلقاً دون تأكيد رسمي، هل هذا تفاوض لم يكتمل بعد بين واشنطن والقاهرة خلف الكواليس، أم أن الغموض نفسه هو الرسالة؟

