خلي بالك من نفسك.. وصفة سينمائية من الحب والضحك والمغامرة

بقلم: الناقدة والأديبة نجلاء حسن

في السينما، هناك أفلام تأتي لتروي حكاية، وأفلام أخرى تأتي لتصنع حالة من البهجة لدى الجمهور. وفيلم خلي بالك من نفسك» ينتمي إلى النوع الذي يراهن على خلطة مختلفة تجمع الرومانسية بالكوميديا، وتضيف إليهما جرعة من الأكشن والتشويق، في تجربة تجمع النجمين أحمد السقا وياسمين عبد العزيز في لقاء سينمائي طال انتظاره.

الفيلم، من تأليف شريف الليثي وإخراج معتز التوني، يقوم في جزء كبير من فكرته على تبادل الأدوار؛ فالسقا، الذي اعتاد الجمهور أن يراه في صورة بطل الأكشن القادر على مواجهة الخطر، يظهر هنا في مساحة كوميدية أكثر خفة، بينما تدخل ياسمين عبد العزيز عالم الأكشن بقوة، فتقدم شخصية مختلفة تمنحها مساحة جديدة للتعبير والأداء. وقد أكدت ياسمين نفسها أن هذا التبادل بينهما يمثل أحد أبرز الاختلافات في التجربة.

وهنا تكمن إحدى نقاط الجذب الأساسية في الفيلم؛ أن الجمهور لا يشاهد نجميه بالطريقة التي اعتادها. أحمد السقا يترك للحظة صورة البطل الذي لا يخاف، ويمنحنا رجلًا يمكن أن يرتبك ويخاف ويقع في المواقف الكوميدية، بينما تبدو ياسمين أكثر جرأة وقدرة على التعامل مع الخطر.

إنها لعبة فنية لطيفة مع الصورة الذهنية للنجم.

فالسقا، الذي ارتبط اسمه طويلًا بالبطولة والحركة والمطاردات، يجد نفسه في منطقة كوميدية تمنحه فرصة لإظهار جانب آخر من أدواته الفنية، بينما تستعيد ياسمين روح المغامرة والحركة، لكن بروحها الخاصة التي تجمع بين خفة الظل والحضور الأنثوي القادر على قلب الموقف في لحظة.

الحب لا يأتي دائمًا في الموعد المتوقع

الرومانسية في «خلي بالك من نفسك» ليست مجرد قصة حب تقليدية بين رجل وامرأة، وإنما هي اختبار حقيقي لقدرة الإنسان على اكتشاف الآخر بعيدًا عن الصورة الأولى.

فالحب، في النهاية، مغامرة تشبه السينما نفسها؛ لا نعرف ماذا ينتظرنا في المشهد التالي.

وقد يكون أكثر ما يميز العلاقة بين الشخصيتين أن كل طرف يكتشف الآخر تدريجيًا، لتتحول العلاقة من مساحة عاطفية هادئة إلى عالم مليء بالمفاجآت والمواقف الخطرة والكوميديا.

وهنا ينجح الفيلم في اللعب على المفارقة: الرجل الذي يبدو أقرب إلى القوة يصبح محتاجًا إلى من ينقذه، والمرأة التي تبدو في البداية رومانسية وهادئة تكشف عن شخصية أكثر صلابة وقدرة على مواجهة الخطر.

إنها مفارقة تصلح للضحك، لكنها في الوقت نفسه تحمل رسالة عن ضرورة ألا نحكم على الإنسان من مظهره الأول.

كيمياء السقا وياسمين

أحمد السقا وياسمين عبد العزيز يملكان تاريخًا سابقًا من التعاون يعود إلى مسرحية «كده أوكيه»، قبل أن يجتمعا سينمائيًا في هذه التجربة.

وربما لهذا السبب تبدو بينهما مساحة من الألفة تساعد على خلق حالة تلقائية أمام الكاميرا.

الكيمياء بين النجمين لا تعتمد فقط على الحوار، وإنما على ردود الفعل، ونظرات الدهشة، والاختلاف بين شخصيتيهما، وهو ما يمنح المواقف الكوميدية طاقة إضافية.

ويحسب للفيلم أنه لم يضع النجمين في منطقة آمنة تمامًا، بل حاول أن يمنح كل واحد منهما فرصة للخروج قليلًا من القالب الذي اعتاد الجمهور أن يراه فيه.

ياسمين عبد العزيز.. قوة ناعمة

تقدم ياسمين في الفيلم شخصية تحمل مزيجًا من الرومانسية والقوة، وهو مزيج يتيح لها أن تستثمر خبرتها في الكوميديا، وتضيف إليها مساحة من الحركة والمغامرة.

واللافت أن انتقالها إلى الأكشن لا يبدو منفصلًا عن شخصيتها الفنية؛ فهي تمتلك منذ سنوات قدرة واضحة على استخدام الحركة وتعبيرات الوجه والإيقاع السريع في صناعة الكوميديا.

لكن الجديد هنا أنها تدخل هذه الأدوات إلى مساحة أكثر خطورة، فتتحول خفة الحركة إلى جزء من الحدث نفسه.

أما أحمد السقا، فيقدم تجربة مختلفة، إذ يتخلى عن جزء من هيبة بطل الأكشن لصالح شخصية أكثر إنسانية وكوميدية، وهو ما يسمح للجمهور برؤية منطقة جديدة من أدائه.

معتز التوني.. إدارة إيقاع مختلف

الإخراج هنا أمام تحدٍ صعب: كيف يحافظ الفيلم على توازن بين الرومانسية والكوميديا والأكشن والتشويق دون أن يطغى عنصر على آخر؟

وهذه النوعية من الأفلام تحتاج إلى إيقاع سريع، لأن الكوميديا لا تحتمل التمهل الطويل، والأكشن يحتاج إلى تصاعد، بينما تحتاج الرومانسية إلى مساحة تسمح للمشاعر بأن تتنفس.

ومن هنا تأتي أهمية إدارة المخرج لمفاتيح الحكاية، بحيث ينتقل المشاهد من الضحكة إلى المفاجأة، ومن المشهد العاطفي إلى المغامرة دون أن يشعر بأنه انتقل إلى فيلم آخر.

السينما التي تمنحنا ساعتين من البهجة

قد لا تكون مهمة الفيلم الكوميدي الرومانسي أن يقدم حلولًا فلسفية كبرى للحياة، وإنما أن يمنح الجمهور لحظات من الضحك والدهشة والحب.

و«خلي بالك من نفسك» يراهن على هذه المساحة تحديدًا؛ على جمهور يريد أن يرى نجومه في صورة مختلفة، وأن يعيش معهم مغامرة عاطفية خفيفة، تتخللها مواقف ساخرة ومطاردات ومفاجآت.

وفي النهاية، ربما تكون أجمل رسالة يتركها الفيلم هي أن الحب نفسه يحتاج إلى أن نأخذ بالنا من أنفسنا ومن قلوبنا؛ لأننا أحيانًا ندخل العلاقات ونحن نظن أننا نعرف الطريق، ثم نكتشف أن أجمل الحكايات هي تلك التي لم نخطط لها.

فيلم خلي بالك من نفسك يضع أمام الجمهور خلطة سينمائية واضحة حب يربك الحسابات، وكوميديا تكسر الخوف، وأكشن يقلب الأدوار، ونجمان كبيران قررا أن يقدما نفسيهما بصورة مختلفة.

وربما لهذا تحديدًا تبدو الرحلة جديرة بالمشاهدة…

ففي السينما، كما في الحب، لا يكفي أن تعرف إلى أين تذهب؛ أحيانًا عليك أن تترك مساحة للمفاجأة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *