بقلم: دينا سيد نجم الدين
أخصائي الصحة النفسية والإرشاد الأسري والزواجي
الزواج ليس مجرد شراكة في المسكن والمسؤوليات، ولا تقتصر العلاقة الزوجية الناجحة على الحب والمشاعر وحدها، وإنما تقوم على مجموعة متكاملة من الأبعاد النفسية والاجتماعية والعاطفية والجنسية. ويُعد التوافق الجنسي بين الزوجين أحد العناصر المهمة التي تؤثر في جودة الحياة الزوجية واستقرارها، رغم أن الحديث عنه ما زال محاطًا في كثير من المجتمعات بالصمت والحرج.
والتوافق الجنسي لا يعني بالضرورة التطابق الكامل بين الزوجين، وإنما يعني وجود قدر من التفاهم والقبول والاحترام المتبادل، مع القدرة على التعبير عن الاحتياجات والمشاعر بصورة آمنة وناضجة، بما يحافظ على خصوصية العلاقة وكرامة الطرفين.
التوافق الجنسي يبدأ من التوافق النفسي
من الخطأ النظر إلى العلاقة الحميمة باعتبارها منفصلة عن الحالة النفسية للزوجين؛ فالمشكلات النفسية، والضغوط الاقتصادية، والخلافات المستمرة، وفقدان الثقة، والإهمال العاطفي، كلها عوامل قد تنعكس بصورة مباشرة أو غير مباشرة على العلاقة الزوجية.
فالزوج أو الزوجة الذي يشعر بالأمان والاحتواء والتقدير يكون أكثر قدرة على بناء علاقة زوجية مستقرة، بينما قد يؤدي الشعور بالرفض أو الإهانة أو الخوف أو الخيانة إلى تراجع الرغبة والحميمية، حتى في حالة عدم وجود مشكلة عضوية واضحة.
الاختلاف في الرغبة أمر طبيعي.. لكن تجاهله ليس حلًا
من الطبيعي أن تختلف درجة الرغبة بين الزوجين، سواء بسبب طبيعة الشخصية أو العمر أو الضغوط أو الظروف الصحية والنفسية أو تغيرات الحياة.
المشكلة لا تكمن في وجود الاختلاف ذاته، وإنما في طريقة التعامل معه.
فحين يتحول الاختلاف إلى ضغط أو إجبار أو لوم أو سخرية أو اتهامات متبادلة، تبدأ العلاقة في فقدان عنصر أساسي من عناصرها، وهو الأمان النفسي.
أما الحوار الهادئ، وفهم احتياجات الطرف الآخر، ومراعاة ظروفه، فيمكن أن يحول الاختلاف إلى مساحة للتقارب بدلًا من أن يصبح مصدرًا للصراع.
حين يصبح الصمت سببًا للمشكلة
بعض الأزواج يفضلون الصمت عن المشكلات الجنسية خوفًا من الإحراج أو اعتقادًا بأن الحديث عنها يقلل من قيمة العلاقة، فيستمر الخلاف لفترات طويلة، وقد يتحول تدريجيًا إلى فتور عاطفي أو نفور أو خصام دائم.
والحقيقة أن الحوار بين الزوجين لا ينتقص من العلاقة، بل قد يكون أحد أهم وسائل حمايتها، بشرط أن يتم في إطار من الاحترام والخصوصية، بعيدًا عن السخرية أو التهديد أو المقارنة بالآخرين.
التوافق لا يعني استخدام العلاقة كسلاح
من أخطر الممارسات داخل الزواج أن تتحول العلاقة الخاصة إلى وسيلة للعقاب أو المكافأة أو الابتزاز العاطفي.
فالامتناع المتعمد بهدف الإيذاء، أو الضغط والإجبار، أو استخدام نقاط الضعف الجنسية لإهانة الطرف الآخر، كلها ممارسات قد تترك آثارًا نفسية عميقة، وتؤثر في الثقة والاحترام بين الزوجين.
العلاقة الصحية تقوم على الرضا المتبادل والاحترام والخصوصية والأمان، وليس على الخوف أو الإكراه.
المشكلات الصحية تحتاج إلى وعي لا إلى اتهام
قد تكون بعض الصعوبات المرتبطة بالعلاقة الزوجية ذات أسباب صحية أو نفسية، ولذلك فإن إطلاق الأحكام والاتهامات لا يساعد على حل المشكلة.
وفي بعض الحالات يكون اللجوء إلى طبيب مختص أو متخصص في الصحة النفسية أو الإرشاد الزواجي خطوة مهمة لفهم السبب الحقيقي ووضع الحل المناسب.
ومن المهم كذلك أن يدرك الزوجان أن طلب المساعدة لا يعني فشل الزواج، وإنما قد يكون دليلًا على الرغبة في الحفاظ عليه.
التوافق الجنسي جزء من منظومة أكبر
لا يمكن بناء علاقة زوجية مستقرة على الجانب الجنسي وحده، كما لا يمكن تجاهله تمامًا.
فالتوافق الحقيقي يتشكل من مجموعة عناصر متداخلة: المودة، والرحمة، والاحترام، والتواصل، والثقة، والأمان النفسي، والتوافق الفكري والاجتماعي، إلى جانب التوافق الجنسي.
وعندما يختل أحد هذه الجوانب لفترة طويلة، قد تتأثر الجوانب الأخرى بصورة تدريجية.
كلمة أخيرة
التوافق الجنسي ليس مسابقة ولا اختبارًا لرجولة الرجل أو أنوثة المرأة، وليس معيارًا وحيدًا للحكم على نجاح الزواج أو فشله.
إنه مساحة من مساحات التواصل بين الزوجين، تحتاج إلى وعي واحترام وحوار، وإلى فهم أن العلاقة الزوجية الناجحة لا تقوم على إشباع الاحتياجات فقط، وإنما على أن يشعر كل طرف بأنه مقبول ومحترم وآمن ومسموع.
فالزواج الذي يجمع بين المودة والرحمة والاحترام يستطيع أن يتجاوز كثيرًا من الاختلافات، أما حين يغيب الحوار ويحل محله الصمت أو الإهانة أو الضغط، فقد تتحول المشكلة الصغيرة إلى مسافة كبيرة بين شريكين يعيشان تحت سقف واحد.

