رسالة كيف تصنع الميديا معاركها؟

بقلم: عبده زعلوك

عبدول قال جملة.. ونحن تركناها وبدأنا المعركة
من كنت هبقى سواق إلى إخوان وصهاينة وإرهابيين.. كيف تحولت السوشيال ميديا من مساحة للنقاش إلى ساحة للاشتباك؟

قال عبدول في حديث له: لو كنت في مصر كان زماني سواق. وعبدول هو عبد الرحمن السيد هو سياسي وطبيب أمريكي من أصول مصرية، ينتمي إلى الحزب الديمقراطي. حقق مؤخراً في أغسطس 2026 فوزاً بارزاً في الانتخابات التمهيدية للترشح لمقعد مجلس الشيوخ الأمريكي عن ولاية ميشيغان

جملة أغضبت مصريين رأوا فيها إساءة إلى بلدهم وتقليلًا من قدرهم، بينما رأى آخرون أنه يتحدث عن مشكلة يعرفها المصريون جيدًا: تكافؤ الفرص، والظروف الاقتصادية التي دفعت البعض إلى البحث عن فرصة عمل بالخارج
إلى هنا لا مشكلة. من حقه أن يقول رأيه، ومن حق أي مصري أن يرفضه، ومن حق آخر أن يراه وصفًا للواقع . هكذا يفترض أن يكون الاختلاف: رأي أمام رأي، وحجة أمام حجة.
لكننا لم نتوقف هنا. سرعان ما انتقل النقاش من “ماذا قال؟” إلى “من هو؟ ومن يقف معه؟”. هذا إخواني، وهذا صهيوني، وذاك إرهابي.

وفجأة لم تعد القضية جملة قالها عبدول، بل أصبحت معركة بين معسكرات، وضاعت الجملة الأصلية وسط الضجيج.

قد أرفض كلام عبدول وأراه مجحفًا في حق مصر، وقد ترى أنت أنه وصف لمشكلة حقيقية في المجتمع المصري. قد أرى أن من حقه انتقاد مصر، لكن ليس من حقه الجزم بأن مصيره لو عاش فيها كان سيصبح سائقا، وقد ترى أنت أن كلامه مفهوم في ضوء ما يعرفه عن تكافؤ الفرص.
كل ذلك طبيعي. غير الطبيعي أن يصبح مجرد الاختلاف معك دليلًا على أنني إخوان أو صهيوني أو إرهابي. لأنك بذلك لم تعد تناقش رأيي، بل تبحث عن تصنيف تضعني فيه؛ وهذا أسهل كثيرًا من الرد على حجتي.

والأغرب أن عبدول نفسه، صاحب التصريح، ليس طرفًا في معظم المعارك التي اندلعت باسمه. قال ما قاله، ثم أكمل حياته وعمله، بينما جلسنا نحن نتقاتل دفاعًا عنه أو هجومًا عليه.

عبدول نسي التصريح.. ونحن لم ننسَ المعركة، وهنا تتجاوز المشكلة عبدول نفسه، نحن لم نعد نختلف فقط حول الأفكار، بل نريد أولًا أن نعرف: أنت مع مين؟

إذا انتقدت مصر، فأنت ضد مصر. وإذا دافعت عنها، فأنت تبرر كل شيء. إذا انتقدت عبدول، فأنت في معسكر معين، وإذا دعمته فانت مع خصومه.

وهكذا يصبح الإنسان أكبر من فكرته، وتصبح هويته أهم من حجته.
ماذا قلت؟ لم تعد أهم من أنت مين؟
وهذا أحد أخطر تحولات النقاش على السوشيال ميديا. فالمنصات تمنح انتشارًا أكبر للمحتوى القادر على إثارة الغضب والجدل. وكلما زاد التفاعل، اتسعت دائرة الوصول.

قد تتحول جملة عابرة إلى قضية عامة، ثم إلى معركة، بينما تنتقل الخوارزمية إلى موضوع آخر أكثر إثارة. والأخطر أن المحتوى الاستقطابي يجد بيئة خصبة؛ لأنه يقسم الناس إلى معسكرات ويجذب الانتباه أكثر من النقاش الهادئ.

نبدأ بجملة عن تكافؤ الفرص، فنصل إلى السياسة والوطنية والإخوان والصهيونية والإرهاب، ثم ننسى السؤال الذي بدأنا منه، ثم تأتي قضية جديدة: شخص يقول جملة، يغضب فريق، يدافع آخر، تبدأ الاتهامات، وتتكرر المعركة، ونترك القضية.. ونشتبك مع بعضنا.

المشكلة إذن ليست في عبدول وحده، بل في أننا أصبحنا نحتاج إلى خصم أكثر مما نحتاج إلى حجة. نريد أن ننتصر على الشخص بدل أن نناقش الفكرة.
الاختلاف ليس عيبًا، بل ضرورة. لكن هناك فرق بين أن تقول: «أنت مخطئ، وهذه حجتي»، وأن تقول: أنت صهيوني.. أنت إرهابي.

الأولى نقاش، والثانية إلغاء للنقاش، يمكن أن أختلف مع عبدول، ويمكنك أن تتفق معه. لكن هل نستطيع أن نختلف ثم نعود إلى حياتنا؟

ربما هذه هي المهارة التي نحتاج إلى استعادتها: أن نختلف دون تخوين، وننتقد دون تشويه، ونرفض الفكرة دون أن نكره صاحبها، وأن نفهم أن ليس كل من يخالفنا عدوًا.

فالهدف من الاختلاف أن نفهم أكثر.. لا أن نترك حياتنا ونقضي اليوم في معركة على شاشة الهاتف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *