سفيرة فلسطين لدى روما تطيح بالسردية الإسرائيلية

وكالة نوفا

أعربت سفيرة فلسطين لدى روما، منى أبو عمارة، عن تقديرها لجميع مبادرات الحكومة الإيطالية تجاه قطاع غزة، ولا سيما ممرات الجامعات وإجلاء الجرحى لتلقي العلاج في المستشفيات الإيطالية. كما أكدت أن قضية شعبها ليست إنسانية فحسب، بل سياسية في المقام الأول.

جاء ذلك في مقابلة مع وكالة “نوفا”، حيث أشادت بمشروع “يوبالز” الذي جلب طلابًا جامعيين من غزة إلى إيطاليا. وتشغل منى أبو عمارة، المولودة عام 1979، منصب سفيرة فلسطين فوق العادة والمفوضة لدى الجمهورية الإيطالية منذ عام 2025، وهي أيضًا الممثلة الدائمة لفلسطين لدى وكالات الأمم المتحدة في روما (منظمة الأغذية والزراعة، والصندوق الدولي للتنمية الزراعية، وبرنامج الأغذية العالمي). وقبل وصولها إلى العاصمة الإيطالية، ترأست السفيرة بعثة فلسطين الدبلوماسية إلى كندا من عام ٢٠٢١ إلى عام ٢٠٢٥.

وقالت: “لقد حُرموا من حقهم في التعليم. لدينا عقول لامعة أظهرت للناس ما وراء ضبابية ودعاية “الهاسبارا” الإسرائيلية (آلة الدعاية الإسرائيلية) حول هويتنا وقيمنا”، مؤكدة أن الطلاب الوافدين إلى إيطاليا “يُظهرون الروح الفلسطينية الحقيقية ويُثرون نسيج المجتمع أينما حلّوا”.

فيما يتعلق بالأطفال الفلسطينيين المصابين، أكدت أبو عمارة مجدداً على ضرورة فتح معابر غزة ليتمكنوا من تلقي العلاج مباشرة على أرضهم من قبل أطبائهم.

وشددت: “آلاف مؤلفة من الأطفال بحاجة إلى هذه المساعدة”. وأضافت: “لذا، نود من جميع الدول مساعدتنا في هذا الشأن، تماماً كما نتوقع من الأوروبيين والديمقراطيين في جميع أنحاء العالم مساعدتنا في إنهاء الاحتلال (الإسرائيلي)، بدلاً من مجرد إدارة شؤون السكان المدنيين الخاضعين له”.

كما أكدت أبو عمارة أن جميع المبادرات “محل تقدير إذا ما استطاعت تخفيف بعض من الوضع المأساوي الذي يواجهه الشعب الفلسطيني، ولكن يجب على الجميع أن يتذكروا أن قضيتنا ليست قضية إنسانية فحسب”.

وأوضحت أن أي مبادرة تُتخذ “دون مسار سياسي تعني ببساطة رعايتنا (أثناء) احتلالنا”، وليس إنهاءه. وتابعت السفيرة: “نريد من كل من يسعى للمساعدة أن يدرك أيضاً أن وكالة الأونروا (وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، المحظورة من قبل الحكومة الإسرائيلية) لا غنى عنها بالنسبة لنا، فهي الوكالة الوحيدة القادرة على الوصول فعلاً إلى جميع الفئات السكانية الضعيفة”.

كما أشادت أبو عمرة بعمل الصحفيين والإعلاميين في غزة، الذين نالوا مؤخراً جائزة القلم الذهبي للحرية. وقالت السفير: “إلى جانب تقديري للتميز الصحفي، فإن هذه الجائزة “تدل أيضاً على الشجاعة، ولا أجد أحداً آخر يستحق جائزة مماثلة بعد أكثر من عامين ونصف من الإبادة الجماعية”.

وافقت إسرائيل مؤخرًا على بناء مستوطنات جديدة في الضفة الغربية، إلى جانب خطة بقيمة 9 ملايين دولار لتوسيع قطاع الفنادق في الأراضي الفلسطينية.

وقالت أبو عمارة إن المناقشات الجارية داخل الاتحاد الأوروبي بشأن حظر تجاري محتمل على البضائع القادمة من المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية “خطوة طال انتظارها”، مستشهدة بقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2334 لعام 2016، الذي يدعو إسرائيل إلى إنهاء سياستها الاستيطانية في الأراضي الفلسطينية منذ عام 1967، بما فيها القدس الشرقية.

وأضافت أبو عمارة: “إنها أرض مسروقة، والمنتجات مصنوعة من أرض وموارد مسروقة: التجارة معهم ليست سوى استثمار في مشروع الاستيطان، حتى وإن كنت تعارض هذا المشروع نفسه”.

وفيما يتعلق بالمستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية، وصفتهم السفيرة بأنهم “إرهابيون”، مشيرة إلى أن “هناك عصابات من المستوطنين مُسلّحة ببنادق رشاشة، زوّدها بها وزير في حكومة الاحتلال الإسرائيلي. هذا إرهاب ترعاه الدولة، يستهدف المناطق المدنية، ولا يُسمح للناس حتى بالدفاع عن أنفسهم، لأنه إذا فعلوا ذلك، فإن قوات الاحتلال التي تحمي وتدعم هذه العصابات ستهاجم أي شخص يحاول الدفاع عن عائلته أو ممتلكاته، وتزجّ به في السجن وتصفه بالإرهابي”.

وأكدت السفيرة أن “الأمر ممنهج، وليس عشوائياً”، مشددة على أن الخطة الإسرائيلية “تتمثل الآن في دفع جميع الفلسطينيين إلى المدن، وحشدهم هناك، ثم الاستيلاء على جميع الأراضي المحيطة، لمواصلة الخطة التي وُضعت منذ زمن بعيد من قِبل الإدارة الأولى للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ما يسمى بـ ’صفقة القرن’، التي تنص على إنشاء جيوب فلسطينية متصلة بجسور وأنفاق، بحيث تبقى إسرائيل هناك إلى الأبد”.

بحسب السفيرة الفلسطينية، فإن تطبيق حل الدولتين القائم على مبدأ الشعبين “يعتمد على الإرادة السياسية للغرب، لأن الأدوات متوفرة، لكن لا يمكن تحقيقه دون محاسبة إسرائيل على أفعالها”.

وأكدت أبو عمارة أن “إسرائيل لن تستيقظ يوماً ما وتقرر أنها لم تعد ترغب في أن تكون قوة احتلال. لم تنتهِ الاحتلالات والاستعمار بهذه الطريقة عبر التاريخ”.

وتابعت: “المسألة تكمن في أن ينظر الغرب إلى نضال الفلسطينيين من أجل الحرية لا على أنه شأن يخص الفلسطينيين وحدهم، حيث يكون الفلسطينيون هم الضحايا وإسرائيل هي الجلاد”.

وترى أبو عمارة أن على الغرب أن ينظر إلى القضية الفلسطينية “كما ينظر إلى نضال أي شعب آخر، وأن يطبق المعايير نفسها على فلسطين كما يطبقها على أي قضية أخرى”. وشدّدت على أنه “لا ينبغي أن نكون استثناءً من القاعدة”.

في تعليقها على إعلان حركة حماس الفلسطينية الإسلامية حلّ حكومتها في غزة، أكدت السفيرة أبو عمارة أن السلطة الوطنية الفلسطينية (التي تقودها حركة فتح، المنافسة لحماس) “بصفتها الممثل الرسمي، لا يمكن فصل أي مناقشات مستقبلية حول مستقبل غزة عن مستقبل الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية. فهذا الأمر يتعلق بمستقبل فلسطين”.

ثم شددت السفيرة على أن وقف إطلاق النار الحالي ليس “وقفًا حقيقيًا لإطلاق النار”، موضحة: “نحن بحاجة إلى وقف دائم لإطلاق النار، لا وقف يسمح لإسرائيل بالقتل والاستمرار في حرمان الناس من الغذاء والرعاية الطبية ووصول المساعدات دون عوائق، ومن سبيل إلى حل مستقبلي”.

وفيما يتعلق بالمفاوضات بشأن غزة التي تتوسط فيها مصر وقطر والولايات المتحدة، أوضحت أن السلطة الفلسطينية تجري في بعض الحالات “محادثات مباشرة، وفي حالات أخرى غير مباشرة، وذلك بحسب طبيعة المفاوضات والطرف المعني”.

وأضافت السفيرة: “ما أؤكده لكم هو أن الجميع يعلم أنه لتحقيق تقدم ملموس، لا يمكننا تجاهل الممثل الرسمي -السلطة الفلسطينية- ولا مستقبل يحكم فيه هذا الممثل الرسمي كامل الأراضي الفلسطينية”.

وأردفت قائلة: “بالنسبة لنا، كانت الأولوية القصوى هي إنهاء الإبادة الجماعية، بأي ثمن، من أجل وقف إراقة الدماء. لسوء الحظ، لم تتطور الإبادة الجماعية إلا إلى تباطؤ، لكننا كنا على استعداد لتحمل المخاطرة من أجل أي اتفاق يمكن أن يحقق هذه النتيجة”، مؤكدة مع ذلك على ضرورة “العودة إلى الأسباب الجذرية” للأزمة الحالية و”عدم الاكتفاء بمعالجة الأعراض”.

بمجرد أن تتخلى حماس عن سلاحها، من المتوقع أن تدخل اللجنة الوطنية لإدارة غزة القطاع وتبدأ عملها، وفقًا لما نصّت عليه خطة السلام الأمريكية للقطاع. إلا أن السفيرة علّقت بالقول: “هذا ما تريده إسرائيل، لكننا نتحدث عن نزع السلاح وكأنه شرط أساسي لكي يعيش الناس، ليس فقط بحرية وكرامة، بل لمجرد العيش. مرة أخرى، نتحدث عن الأعراض لا عن الأسباب الجذرية. يستحق سكان غزة أن يعيشوا أحرارًا، وأن تغادر إسرائيل غزة، وأن يكون وقف إطلاق النار وقفًا حقيقيًا، وأن يتمكن الناس من مغادرة الخيام التي كانت تتجمد في الشتاء وتحترق الآن في الصيف. إن التركيز فقط على ما تريده إسرائيل هو ما أوصلنا إلى ما نحن عليه الآن. يجب أن نفكر فيما يحتاجه السكان المدنيون الذين تعرضوا للإبادة الجماعية لأكثر من عامين ونصف”.

فيما يتعلق باتفاقيات الهدنة في غزة، أكدت السفيرة أن ما ينقص هو “محاسبة إسرائيل على تنفيذها”، مشددة: “نحن بحاجة إلى إجراءات ملموسة على أرض الواقع، لكن إسرائيل تبذل قصارى جهدها للتنصل من مسؤولية أفعالها، وتُلقي باللوم على كل من يقف في طريقها”.

وفي الأسبوع الماضي، صرّح وزير المالية الإسرائيلي، بتسلئيل سموتريتش، بأن إسرائيل، بالإضافة إلى إعادة بناء المستوطنات الإسرائيلية في غزة التي هُدمت عام 2005، تعتزم استعمار القطاع بأكمله.

وفي هذا الصدد، قالت السفيرة: “إنهم يفعلون ذلك بالفعل في الضفة الغربية، لذا لسنا متفاجئين برؤيتهم. إنه استمرار لمشروع الاستيطان الذي تنتهجه إسرائيل منذ عقود. وقد تسارع هذا المشروع في غزة مع كل هذا الدمار. نعلم أنه لم يتم تدمير أي مبنى بدافع الضرورة. لا يوجد أي مبرر لمثل هذا الأمر من أي جهة. لذا فإن الهدف الحقيقي هو تدمير كل فرصة أمام الفلسطينيين لمواصلة العيش على أرضهم، ومعرفة كيف يمكن أن يُترجم هذا إلى مشروع استعماري آخر”.

وأوضحت السفيرة: “ما يثير استغرابنا هو قبول العالم لكل هذا. فهناك وزراء في مناصبهم يتغاضون عن هذه الأعمال ويدعمونها. إذا نظرنا إلى الضفة الغربية، فما هو المبرر هناك، مع أنه لا يوجد مبرر في غزة أيضاً؟ ما هو المبرر للوزراء الذين يدعون إلى إبادة الشعب الفلسطيني وطرده من أرضه؟”.

وفيما يتعلق بالعنف ضد المسيحيين في الضفة الغربية والقدس الشرقية، شددت السفيرة على أن السكان المسيحيين “جزء لا يتجزأ من نسيج المجتمع الفلسطيني”. لكن النقطة الأساسية، بحسب أبو عمارة، هي أن “إسرائيل تريد أن تقدم قضيتنا للعالم على أنها صراع ديني بين اليهود والمسلمين. ولا يمكن تقديمها بمصداقية إلا بطرد المسيحيين، لأنه لا يمكن الحديث عن وجود المسيحيين كجزء حيوي من المجتمع الفلسطيني ثم تعريفه على أنه صراع بين الأديان: حينها سيصبح هناك عدد كبير جداً من الأديان”.

واختتمت بالقول: “لهذا السبب عملت (السلطات الإسرائيلية) بجد لعقود من الزمن لمحاولة طرد أكبر عدد ممكن من العائلات المسيحية، وجعل حياتهم مستحيلة حتى لا يتمكنوا من البقاء على قيد الحياة في الأراضي الفلسطينية”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *