بقلم: أحمد بدوي
هناك مباريات تحسم بالنقاط، وأخرى تحسم بالتاريخ، لكن هناك مباريات نادرة تلعب من أجل وطن بأكمله. فإن المواجهة المرتقبة للمنتخب المصري أمام أستراليا ليست مجرد لقاء في بطولة عالمية، بل لحظة ينتظرها ملايين المصريين الذين توحدت قلوبهم خلف علم واحد، وحلم واحد، وهو رؤية منتخبهم يواصل كتابة التاريخ ويبلغ دور الـ32.
لأول مرة منذ سنوات طويلة، يشعر الشارع المصري بأن المنتخب لا يلعب فقط من أجل الفوز، بل من أجل استعادة الشخصية المصرية التي طالما تميزت بالإصرار والعزيمة وعدم الاستسلام. ويقف على رأس هذا المشروع الوطني لتحقيق الحلم الكابتن حسام حسن، ابن الكرة المصرية، الذي يعرف جيدا معنى ارتداء قميص المنتخب، لأنه عاش كل تفاصيله لاعبا، ويقوده اليوم مدربا بالحماس نفسه، والإيمان ذاته، والعشق مذهبه لهذا الوطن.
الأرقام وحدها تكفي للحديث عن قيمة العميد؛ فقد خاض أكثر من 170 مباراة دولية بقميص المنتخب، وسجل 68 هدفا دوليا، وكان أحد أبطال التتويج بكأس الأمم الأفريقية عامي 1986 و1998، كما شارك في تحقيق حلم المصريين بالصعود إلى كأس العالم 1990 بعد غياب استمر 56 عاما. إنها مسيرة لا تختزل في أرقام فقط، بل في تاريخ صنعه لاعب حمل اسم مصر فوق كتفيه في كل ملعب.
واليوم يعود حسام حسن، ولكن هذه المرة من المنطقة الفنية، حاملاً حلمًا جديدًا، يؤمن بأن المدرب الوطني قادر على صناعة الإنجاز، وأن أبناء هذا الوطن لا يقلون كفاءة عن أي مدرسة تدريبية في العالم إذا توافرت لهم الثقة والدعم. وان الثقة اليوم جاءت من القيادة السياسية رغم المنقسمين علي قيادة التوام المنتخب الوطني.
ورغم هذه الأجواء المليئة بالأمل، ما زالت بعض الأصوات تصر على تحويل النقد إلى حالة دائمة، وكأن نجاح المنتخب أمر لا يستحق الاحتفاء. لا أحد يرفض النقد الفني الموضوعي، فهو جزء من تطور كرة القدم، لكن المؤلم أن يتحول أحيانًا إلى تشكيك مستمر، حتى من بعض من لم يحققوا خلال مسيرتهم ما يؤهلهم للحديث بثقة عن تجارب الكبار.
ليس المطلوب أن نصفق لكل قرار، ولا أن نغلق باب الرأي، لكن من حق هذا المنتخب أن يحظى بالدعم، ومن حق جهازه الفني أن يُقيَّم بما يقدمه على أرض الملعب، لا بما يريده البعض أن يراه.
اليوم، لا يمثل محمد صلاح، وعمر مرموش، وحمزة عبد الكريم، ومصطفي شوبير وبقية زملائهم أنفسهم فقط، بل يحملون على أكتافهم أحلام أكثر من مائة مليون مصري، ينتظرون لحظة فرح تجمعهم كما لم يجتمعوا منذ سنوات. ففي كرة القدم، قد تختلف الانتماءات، لكن عندما يعزف النشيد الوطني، لا يبقى إلا اسم واحد… مصر.
ربما تكون مباراة أستراليا مجرد مواجهة في جدول البطولة بالنسبة للعالم، لكنها بالنسبة للمصريين اختبار للإرادة، ورسالة بأن أبناء هذا الوطن قادرون على صناعة المجد عندما تتوافر لهم الثقة والإيمان بقدراتهم الإبداعية.
وفي النهاية، سواء انتهت المباراة بفوز أو خسارة، فإن ما صنعه هذا المنتخب حتى الآن هو إعادة الأمل إلى الشارع المصري، وإحياء شعور جميل افتقدناه طويلًا، وهو أن المصريين يستطيعون أن يحلموا معًا، وأن يلتفوا حول راية واحدة، وأن يؤمنوا بأن المستحيل ليس قدرا، بل تحديا يمكن تجاوزه.
فيا أبطال مصر العبوا بقلوبكم قبل أقدامكم، قاتلوا من أجل هذا العلم، واجعلوا العالم يرى من جديد أن خلف هذا القميص الأبيض والأسود والأحمر شعبًا لا يتوقف عن الحلم، ووطنا لا يعرف إلا الكبرياء.

