عندما تُعلّمنا العلاقات المؤذية كيف نحمي أنفسنا

بقلم : دينا سيد نجم الدين أخصائي الصحة النفسية واستشاري علاقات أسرية

في مرحلة من العمر، وبعد الكثير من العلاقات المُرهقة والصدمات المُتكررة، يتغير الإنسان دون أن يشعر. لا يعود ذلك الشخص الذي يُبرر كل شيء، أو يمنح بلا حدود، أو يُرهق نفسه في محاولة إرضاء الجميع خوفًا من الفقد أو الرفض. بل يبدأ في إعادة اكتشاف ذاته، ووضع حدود واضحة تحفظ له كرامته وراحته النفسية.

فالعلاقات المؤذية لا تترك الألم فقط، بل تترك خلفها دروسًا عميقة تُعيد تشكيل الشخصية. يصبح الإنسان أكثر جرأة في قول “لا”، دون شعور بالذنب أو الخجل. يرفض التصرفات التي تُزعجه، ولا يقبل أن يُستهلك عاطفيًا تحت اسم الحب أو التضحية أو الواجب. يدرك أن العطاء الحقيقي لا يعني أن يفقد نفسه في سبيل الآخرين، وأن المشاعر النبيلة تستحق التقدير المتبادل لا الاستغلال.

ومع الوقت، يتخلى الإنسان عن دور البطل الذي يُنقذ الجميع بينما يترك نفسه غارقًا في التعب. يتوقف عن تقديم كل ما لديه دون انتظار الحد الأدنى من الاهتمام أو الوفاء. ويبدأ في فهم أن من حقه أيضًا أن يشعر بأنه مُهم، وأن يجد من يُحاول لأجله كما كان يفعل دائمًا للآخرين.

النضج النفسي لا يعني القسوة، بل يعني الواقعية. أن تتقبل أن الهجر وارد، وأن النسيان جزء من طبيعة الحياة، وأن العلاقات مهما بدت قوية قد تنتهي يومًا ما. ومع هذا الإدراك، يصبح الإنسان أقل تعلقًا بالأوهام، وأكثر اتزانًا في مشاعره وقراراته.

كما يتعلم الإنسان الناضج ألا يسمح للخذلان بأن يُحطمه، أو للفراق بأن يهز استقراره الداخلي. فالحياة لا تخلو من العواصف، لكن الوعي الحقيقي يظهر في القدرة على الصمود والتفكير بهدوء وسط الفوضى. بدلاً من البكاء طويلًا على ما ضاع، يبدأ العقل في البحث عن الحلول، وعن طرق جديدة للنجاة والاستمرار.

ومع كثرة التجارب، يزداد إيمان الإنسان بأن السلام النفسي ليس رفاهية، بل ضرورة. فيُصبح الهدوء الداخلي أهم من العلاقات المُرهقة، وتُصبح راحته النفسية أولوية لا يُفرط فيها مهما كانت المُغريات أو الضغوط.

وفي النهاية، قد تُعلمنا الحياة أن نكون أكثر حذرًا، لكنها أيضًا تُعلمنا كيف نكون أقوى، أكثر نضجًا، وأكثر قدرة على حماية قلوبنا دون أن نفقد إنسانيتنا. فليس كل من تغير أصبح قاسيًا، أحيانًا يكون فقط قد تعلم أخيرًا كيف ينجو بنفسه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *