بقلم : دينا سيد نجم الدين
أخصائي الصحة النفسية
في زمن تتسارع فيه الأحداث وتتشابك فيه العلاقات، أصبحت الثقة واحدة من أثمن القيم الإنسانية وأكثرها ندرة. لم تعد مجرد شعور بسيط بين شخصين، بل صارت أساسًا يُبنى عليه الاستقرار النفسي والاجتماعي، وبدونها يتحول كل شيء إلى شكوك وتفسيرات مرهقة.
الثقة ليست كلمة تُقال، بل سلوك يُرى. هي التزام غير معلن بالصدق، والوضوح، والاحترام. حين يثق الإنسان في الآخر، فهو يمنحه مساحة من الأمان تجعله على طبيعته دون خوف من الخذلان أو الغدر. لكنها في المقابل، ليست عمياء؛ فالثقة الحقيقية تُبنى على مواقف متكررة تثبت أن الطرف الآخر أهلٌ لها.
المشكلة أن كثيرين يطلبون الثقة دون أن يقدموا أسبابًا حقيقية لها. يريدون أن يُصدَّقوا، بينما أفعالهم تثير الشك. وهنا تبدأ الفجوة: كلمات مطمئنة، يقابلها سلوك متناقض. ومع تكرار التناقض، تنهار الثقة تدريجيًا، حتى لو استمرت العلاقة شكليًا.
في العلاقات الإنسانية، سواء كانت عاطفية أو اجتماعية أو حتى مهنية، تُعد الثقة حجر الأساس. فبدونها، يتحول الحب إلى قلق، والصداقة إلى حذر، والعمل إلى عبء. الشخص الذي يفقد الثقة فيمن حوله، يعيش في حالة دفاع دائم، يفسر كل تصرف على أنه تهديد محتمل، مما يستهلك طاقته النفسية ويحرمه من الشعور بالراحة.
ومن جهة أخرى، فإن استعادة الثقة بعد فقدانها ليست مهمة سهلة. فهي لا تعود بالوعود، بل بالوقت، والاتساق، والإثبات العملي. قد يُسامح الإنسان، لكنه لا ينسى بسهولة، لأن الثقة حين تُكسر تترك أثرًا عميقًا يصعب تجاوزه.
الثقة تبدأ من الداخل أيضًا. فالشخص الذي لا يثق بنفسه، يجد صعوبة في الوثوق بالآخرين. لذلك، بناء الثقة الذاتية يُعد خطوة أساسية نحو علاقات صحية. عندما يعرف الإنسان قيمته، ويضع حدودًا واضحة، يصبح أقل عرضة للاستنزاف وأكثر قدرة على اختيار من يستحق ثقته.
في النهاية، الثقة ليست ضعفًا كما يظن البعض، بل قوة ناعمة تحتاج إلى وعي ونضج. ومن يمنح ثقته في مكانها الصحيح، لا يخسر… بل يكسب راحة البال، وصدق العلاقات، ونقاء المشاعر.

