كتبت: حنان خلف
قال الاستاذ الدكتور خالد صلاح الدين المدير الأسبق لمركز بحوث، ودراسات الرأي العام بجامعة القاهرة؛ أنَّ النقاش المُحتدم منذ السنوات المبكرة من العقد الثالث من الألفية الثالثة حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي يُثير الأفكار الرصينة، والهواجس،والخواطر، والريبة مجتمعةً في آنٍ واحدٍ ؛ إذ أنّ تلك الأخلاقيات المنشودة ما هي إلا أماني ترتبط ارتباطًا دلاليًا بمفهوم المدينة الفاضلة “اليوتوبيا” عند الفيلسوف “أفلاطون” الذي كان يعتقد أنَّ المعيارية لا تكون إلا بهيمنة الفلاسفة على الحُكم ليكون حُكمًا رشيدًا، ومجتمعًا رغيدًا. كما تقترب زلفى من الطرح الفكري للمُفكِّر البريطاني “توماس مور” Thomas More ؛ في أُقصوصته الأقرب للرمزيّة عن الجمهورية اليوتوبية- أي تلك التي تتسم بالنزاهة، والشفَّافية، والعدل، والمساواة-؛ وهى الأُقصوصة التي نشرها باللاتينية في السنوات المبكرة من القرن الخامس عشر، وأُعيد نشرها بالإنجليزية في منتصف القرن ذاته.
وأكد أ.د.خالد صلاح الدين أنَّ سلوكيات الدول المتقدمة، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية إنما تعكس بدورها قدرًا متزايدًا من التعتيم، وعدم الشفَّافية بشأن برامج، وتقنيّات، وأدوات الذكاء الاصطناعي عامةً، وتلك التقنيّات المرتبطة بالتسليح الذكي، وبالغ الذكاء بصفةٍ خاصةً. وثمة دليلٌ على ذلك يتمثَّل في إخضاع تلك الأسلحة بالغة الذكاء للتجريب في حربها على الجمهورية الإسلامية الإيرانية – منذ أواخر فبراير من عام 2026م-؛ بالتعاون مع الكيان الإسرائيلي المتفوِّق في تقنيّات، وآليات، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي. وقد تبيَنَ من المواد المصورة عالية الدقة، والفيديوهات النقية كيف أنَّ تلك الأسلحة الذكية ، وبالغة الذكاء تصل لأهدافها بدقةٍ بالغةٍ إلى الحد الذي تم من خلاله استخدامها في الاغتيالات السياسية لكبار القادة، والرموز الدينية في إيران خلال زمن قصير نسبيًا.
كما أشار أ.د.خالد صلاح الدين إلى أنَّ النقاش حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي في السياق الغربي ما هو إلا محاولة لإبراء الذمة، والتخلص من عُقدة الذنب تجاه المجتمع العالمي، في ظل تطوير نماذج من الذكاء الاصطناعي التي يمكن أن تضر بالبشر عبر الزمن في إطار السباق المحموم لتعليم الآلةMachine Learning (ML) الحِيل الذكيّة، ونماذج المراوّغة، واتخاذ القرارات الشاذة، والخروج عن المألوف وغيرها من أنماط التلقين غير الأخلاقية!.على الجانب الآخر، يستغرب أ.د.خالد صلاح الدين من تلك المحاولات الحثيثة لدى صُنَّاع القرارات والمستثمرين في الدول الغربية للقضاء على بعض المهن المهمة، على سبيل المثال؛ فقد أشار مدير شركة مايكروسوفت في 20 فبراير من عام 2026م إلى أنَّه يتم تطوير نماذج ذكيّة للغاية من تطبيقات الذكاء الاصطناعي لتحل محل مهن “مدراء المشروعات”، و”المحامين”، و”المحاسبين” خلال عام ونصف العام على الأكثر؛ وذلك على الرغم من أنَّ أصحاب تلك المهن تحديدًا يتقاضون رواتب، ومكافآتٍ سخية في إطار بيئة العمل في الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية.
كما أشار أيضًا إلى أنَّ ثمة مخاوفَ من أن تؤدي نماذج الذكاء الاصطناعي لإفشاء سريّة البيانات والمعلومات الخطيرة؛ وبخاصةٍ تلك التي تمس الأمن القومي للدول، وكذلك تهديدها الصارخ لخُصوصية البيانات، والمعلومات الخاصة بالمستخدمين، والمستفيدين سواءً أكانوا أفرادًا، أم مؤسسات، أم جماعات اجتماعية، أم تنظِّيماتٍ سياسية ، أم جمعياتٍ تطَّوعية، أم اتحاداتٍ، وائتلافاتٍ، أم كيانات اقتصاديةٍ، وماليةٍ وغيرها، فضلًا عن استعباد البشر عبر قيم ما بعد الحداثة المتمثلة في الاسترخاء، والاعتماد المتزايد على الآلة في إنجاز الأعمال، والمهام، والواجبات!. كما أكد أ.د.خالد صلاح الدين على خطورة توظيف برامج الذكاء الاصطناعي في إطار “الويب القاتمة أو المُظلمة” Dark Web ؛ والتي تموج بأنشطّة تجارة البشر، وتجارة المخدرات، وتجارة الآثار، واستقطاب الإرهابيين وغيرها من الأنشطَّة غير الأخلاقية، والخارجة عن القانون الدولي.
كما أشار أ.د.خالد صلاح الدين إلى الأهمية البالغة للتعاون الدولي الحقيقي، والصادق؛ والملموس حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي من خلال إجراءاتٍ واقعيةٍ تُراعي مفهوم “المُمكِّنْ” وليس “ما ينبغي أن يكون”؛ حتى يتسنَّى لصُنَّاع القرارات، والسياسات في الدول المتقدمة تنفيذ تلك الإجراءات على أرض الواقع؛ وصولًا إلى كَبْحْ جِماح الاستخدامات غير الوظيفية، والسلبية للذكاء الاصطناعي، والحد من تأثيراتها غير المواتية على البشر في مختلف المجالات التربوية، والتعليمية، والصحيّة،والاقتصادية، والاتصالية، والمالية، والقانونية وغيرها.
وينبغي في هذا الصدد تبني قيم المسئولية الاجتماعية جنبًا إلى جنبٍ مع مفهوم الحتمية التكنولوجية بما يضمن التوظيف الأمثل للتقنيّات الذكيّة في خدمة البشر عبر الزمن. ويمكن في هذا الصدد أن تتسم بيئة الذكاء الاصطناعي بالرشادة النسبيّة لأن “اليوتوبيا الخالصة” Pure Utopia ؛ هىَّ أمرٌ بعيد المنال في مجتمعات ما بعد الحداثة؛ على حين أنَّ الرشادة النسبيّة هى الأقرب لعالم اليوم الذي تتآكل فيه الأُطر الأخلاقية شيئًا فشيئًا

