بقلم: احمد بدوي
في كل مرة ترفع فيها الولايات المتحدة الأمريكية شعارات الحرية والديمقراطية، تلوح في الأفق أسئلة مشروعة حول حقيقة الأهداف الكامنة خلف سياساتها الخارجية، خاصة تجاه الدول التي تمتلك ثروات طبيعية ضخمة، وفي مقدمتها النفط.
فمنذ عقود ماضية، ارتبط اسم الولايات المتحدة بمعظم النزاعات الكبرى التي اندلعت في الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية، حيث تشير تجارب العراق وسوريا واليمن والسودان إلى نمط متكرر من التدخلات التي تبدأ بضغوط سياسية واقتصادية، ولا تنتهي إلا بإشعال صراعات طويلة الأمد، تتحمل الشعوب وحدها كلفتها الإنسانية والاقتصادية.من اغتيال الانظمة الحاكمة وهدم البنية التحتية وتشريد الآلاف من الشعوب بعد القتل والخراب والإبادة الجماعية.
نري التحركات الأخيرة تجاه فنزويلا، وما أثير حول استهداف أو محاولات النيل من قيادتها السياسية، تعيد إلى الواجهة سيناريو سبق أن شهدته المنطقة العربية مطلع الألفية، حين جرى التمهيد لغزو العراق عبر خطاب إعلامي وسياسي مكثف، انتهى بإسقاط نظام الرئيس الراحل صدام حسين، تحت ذرائع ثبت لاحقًا هشاشتها، بينما كان الهدف الاستراتيجي الأبرز هو السيطرة على احد اهم مصادر النفط في الشرق الأوسط وهي دولة العراق.
هل هذا المصير الذي آلت إليه العراق سيكون نفس مصير دولة فنزويلا، التي تُعد من أكبر الدول امتلاكًا لاحتياطيات النفط عالميًا، تواجه اليوم ضغوطًا مشابهة، في ظل رفضها الانصياع للإملاءات الخارجية، وهو ما يثير مخاوف من تكرار السيناريو العراقي، وإن اختلفت الأدوات والوسائل. فبدلًا من الغزو العسكري المباشر، باتت أدوات “الخطف السياسي” والعقوبات الخانقة والحصار الاقتصادي وسائل أكثر استخدامًا في إدارة الصراع.
ويبقى التساؤل المطروح هل تسير فنزويلا على خطى العراق في مواجهة غير متكافئة مع قوة عظمى تمتلك إمكانيات عسكرية وتكنولوجية هائلة؟ أم أن التحولات الجارية في النظام الدولي، وصعود قوى كبرى منافسة، قد تفرض معادلات جديدة تحدّ من قدرة الولايات المتحدة على فرض إرادتها منفردة،من المؤكد أن العالم يشهد مرحلة انتقالية معقدة، تتراجع فيها القطبية الأحادية لصالح نظام دولي أكثر تعددية، إلا أن ذلك لا يلغي استمرار السياسات القائمة على منطق القوة والمصالح، لا سيما حين يتعلق الأمر بثروات الطاقة.
وفي المحصلة، فإن الربط بين مصير فنزويلا اليوم ومصير العراق بالأمس ليس قراءة عاطفية، بل محاولة لفهم مسار سياسي متكرر، عنوانه الأبرز أن الصراعات لا تُدار دائمًا من أجل القيم المعلنة، بقدر ما تُحركها اعتبارات المصالح الاقتصادية والاستراتيجية.

