بقلم / احمد بدوي
مع حلول شهر رمضان المبارك، تتبدل ملامح الحياة اليومية، وتغدو البيوت أكثر دفئًا، وتلتف الأسر حول موائد الإفطار في مشهد إنساني وروحي يتكرر كل عام، حاملاً معه نفحات الإيمان ومعاني الرحمة والتكافل. هو شهر تسمو فيه النفوس، وتعلو فيه القيم، ويستعيد فيه الإنسان صلته بذاته ومحيطه، في أجواء يغلب عليها الصفاء والسكينة.
وفي قلب هذه الأجواء، تتصدر الدراما الرمضانية المشهد الإعلامي بوصفها الرفيق اليومي لأمسيات الصائمين، حيث تتحول الشاشات إلى منصات عرض مزدحمة بالأعمال التي تتنافس على جذب انتباه المشاهد وتحقيق أعلى نسب متابعة. غير أن هذا الحضور الكثيف يطرح تساؤلًا مشروعًا: هل ترتقي مضامين هذه الأعمال إلى قدسية الشهر وفضيلته؟ أم أنها تنشغل بسباق المشاهدة على حساب الرسالة؟ وهناك اعمال تدعو الي افساد الصيام وربما صورت مشاهد تسوق المشاهد الي الإلحاد والبعد عن الطريق الصحيح.
ويمثل الموسم الرمضاني الذروة الإنتاجية للدراما العربية، إذ تتنوع الأعمال بين الاجتماعي والتاريخي والكوميدي والتشويقي، محاولة ملامسة اهتمامات الجمهور وقضاياه اليومية. لكن المفارقة تكمن في أن بعض هذه الأعمال، بدلًا من أن تعكس روح الشهر القائمة على التراحم وضبط النفس، تنزلق إلى مشاهد صاخبة أو حوارات سطحية لا تنسجم مع أجواء رمضان، بل قد تُغذي سلوكيات سلبية تحت مبرر الجذب الدرامي.
إن عرض الأعمال الفنية في رمضان لا ينبغي أن يكون مجرد استثمار لتوقيت ذهبي، بل مسؤولية مضاعفة تفرضها طبيعة الشهر، حيث تجتمع الأسرة بكل فئاتها العمرية أمام شاشة واحدة، ما يمنح الرسائل المطروحة تأثيرًا أوسع وأعمق في تشكيل الوعي الجمعي.
ورغم هذه التحديات، برزت بعض الأعمال التي سعت إلى تقديم طرح درامي متوازن، يعيد الاعتبار لقيم البر وصلة الرحم والكفاح الشريف، ويقترب من نبض المجتمع وقضاياه الحقيقية، دون أن يتخلى عن عنصر التشويق أو الجاذبية الفنية. إلا أن هذه المحاولات تظل محدودة في ظل استمرار ظاهرة “التطويل الدرامي”، التي تُفقد النص تماسكه وتُرهق المشاهد بحبكات ممتدة لا تضيف جديدًا بقدر ما تُكرر ذاتها.
إن دراما رمضان اليوم تقف أمام اختبار حقيقي؛ فإما أن تكون امتدادًا لروح الشهر، تُسهم في بناء الوعي وترسيخ القيم، أو أن تتحول إلى منتج موسمي يراهن على الضجيج دون مضمون. فالفن في جوهره رسالة ومسؤولية، وليس مجرد وسيلة للترفيه العابر.
وفي النهاية، يبقى شهر رمضان مناسبة للسمو الإنساني والارتقاء الأخلاقي، ما يستدعي أن تكون الأعمال المعروضة انعكاسًا لهذه الروح، لا خروجًا عليها. فالمشاهد لم يعد يبحث فقط عن المتعة، بل عن محتوى يحترم وعيه، ويعبر بصدق عن واقعه وتطلعاته.

