بقلم: السفيرة ماجي دميان
يمثل قرار البنك المركزي المصري خفض أسعار الفائدة بواقع 100 نقطة أساس في مستهل عام 2026 لا يمكن قراءته باعتباره إجراءً تقنيًا عابرًا، بل هو إعلان انتقال مدروس من مرحلة الدفاع إلى مرحلة الانطلاق. وهو مؤشر على أن الاقتصاد المصري بدأ يحصد ثمار سنوات من الإصلاحات الصعبة التي استهدفت تثبيت الاستقرار النقدي وكبح جماح التضخم.
أن خفض الفائدة بنسبة 1% يمكن أن يؤدي إلى زيادة الائتمان الممنوح للقطاع الخاص بنسبة تتراوح بين 5% و8% خلال الأشهر التالية، وهو ما ينعكس على تنشيط الاستثمارات الصناعية والعقارية والبنية التحتية. كما قد يساهم في رفع معدل النمو الحقيقي للناتج المحلي الإجمالي بنحو 0.5 إلى 0.8 نقطة مئوية إذا استمرت مؤشرات الاستقرار الحالية
وخلال الأعوام الماضية، واجهت مصر واحدة من أعقد الدورات الاقتصادية عالميًا، حيث تزامنت صدمات خارجية حادة مع ضغوط داخلية على العملة والأسعار. وفي تلك المرحلة، اتخذت الدولة قرارات لم تكن سهلة، لكنها كانت ضرورية لبناء قاعدة صلبة للاستقرار. اليوم، يأتي خفض الفائدة ليعكس ثقة متزايدة في متانة هذه القاعدة.
*من إدارة الأزمة إلى إدارة النمو*
هذا يدل على أن السياسة النقدية المتشددة التي اتُّبعت منذ 2023 كانت بمثابة «علاج مكثف» لاقتصاد تعرض لاختلالات عنيفة. ومع تباطؤ معدلات التضخم وتحسن تدفقات النقد الأجنبي واستقرار سوق الصرف، أصبح من الطبيعي أن يبدأ التحول نحو سياسة أكثر دعمًا للنشاط الاقتصادي.
بالتأكيد خفض الفائدة لا يعني التراخي، بل يعني إعادة ضبط الإيقاع. إنه إشارة واضحة للمستثمرين المحليين والأجانب بأن الدولة ترى في هذه اللحظة فرصة للتوسع، لا مجرد مرحلة تعافٍ هش.
وفي نفس الوقت انخفاض تكلفة التمويل يمنح القطاع الخاص مساحة أوسع للحركة. المصانع التي أجلت التوسع بسبب ارتفاع كلفة الاقتراض قد تعود إلى خططها الاستثمارية، والمشروعات الصغيرة والمتوسطة قد تجد بيئة تمويلية أكثر ملاءمة. وكل ذلك ينعكس في نهاية المطاف على زيادة الإنتاج، وتحسين معدلات التشغيل، ودفع عجلة النمو الحقيقي.
وبالتالي إذا أُحسن توظيف هذه الخطوة، يمكن أن نشهد دورة إيجابية تبدأ من الائتمان وتصل إلى الناتج المحلي الإجمالي، مرورًا بسوق العمل وزيادة الدخول.
*رؤية القيادة واستراتيجية البناء الطويل*
لا يمكن فصل هذا التحول عن الرؤية الاقتصادية التي تبنتها الدولة بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، والتي ارتكزت على مسارين متوازيين: بناء البنية التحتية وتحديث الاقتصاد من جهة، وإصلاح الاختلالات الهيكلية من جهة أخرى.
كما شهدت السنوات الماضية توسعًا غير مسبوق في مشروعات الطرق والطاقة والمدن الجديدة، وهي استثمارات طويلة الأجل تؤسس لاقتصاد أكثر قدرة على جذب الاستثمارات وتحقيق قيمة مضافة حقيقية. واليوم، يأتي خفض الفائدة ليكمل هذه الصورة؛ فالبنية جاهزة، والبيئة التمويلية تبدأ في التحسن، والقطاع الخاص مدعو للعب دور أكبر.
أن هذه الرؤية لم تكن قائمة على حلول آنية، بل على بناء قدرة تنافسية مستدامة. ومن هذا المنطلق، فإن الانتقال من التشديد إلى التيسير هو امتداد طبيعي لمسار إصلاحي طويل، لا خطوة مفاجئة.
ويحمل القرار أيضًا رسالة للخارج مفادها أن الاقتصاد المصري لا يتحرك برد الفعل، بل وفق قراءة متأنية للبيانات والمؤشرات. أي انتقال منظم في السياسة النقدية يعزز مصداقية الدولة أمام المستثمرين العالميين.
بالطبع، لا تزال التحديات قائمة؛ فالاقتصاد العالمي لم يستقر تمامًا، والضغوط الجيوسياسية مستمرة. لكن الفارق اليوم أن مصر تتحرك من موقع أكثر صلابة مما كانت عليه قبل أعوام. خفض الفائدة ليس نهاية الطريق، بل بداية مرحلة جديدة تتطلب استمرار الانضباط المالي، وتحفيز الإنتاج، وتعزيز تنافسية الصادرات.
عام 2026 قد يُسجل كنقطة تحول حقيقية، حيث تنتقل مصر من تثبيت الأوضاع إلى إطلاق طاقات النمو. وإذا استمر التناغم بين السياسة النقدية والرؤية الاستراتيجية للدولة، فقد يكون هذا القرار بداية دورة توسع أكثر استدامة وثقة في المستقبل.

