اتهمتُه بقتل روحي… ثم رأيتُ إنسانيته

بقلم: الدكتورة مروه رضوان 

رئيس التحرير

لم أكن أتخيل يومًا ما أنني سأضحك معه، ضحكة حقيقية خارجة من القلب، هو نفسه الذي كنت أختنق من مجرد ذكر اسمه.

بيننا تاريخ لا يُحكى بسهولة، ليس خلافًا عابرًا، ولا سوء فهم بسيط…بيننا روح جاءت ورحلت سريعًا… حلم بدأ في شهري الثالث وانتهى فجأة، وكأن أحدهم أغلق نافذة الضوء دون إنذار.

في ذلك الوقت كنت ضعيفة، أقوى مما أظهر… وأضعف مما أظن، كنت أبحث عن سبب أعلّق عليه انهياري، عن كلمة أقول بعدها: “آه… إذن هذا هو المذنب.”وجاء الاعتراف يومها كصفعة.

حقيقة خرجت بطريقة قاسية، مشاعر ارتبكت، ثقة اهتزت، وقلب حامل لم يتحمل.

لا أعرف…هل كانت الصدمة؟
أم أن القدر كان قد كتب النهاية منذ البداية؟

لكنني أعرف شيئًا واحدًا، هو أنني تألمت، وحملت داخلي جزءًا من هذا الألم.

لم أصرخ، لم أتهمه صراحة؛ لكنني قلت في قلبي “ربما هو السبب.”

كبرت المسافة بيننا، حتى صارت جدارًا.

هو يراني معقدة… ثقيلة… “خبيثة” كما قالها يوما ما بصراحة موجعة، وأنا أراه شخصًا هزّ استقراري في لحظة ضعف.

ومع ذلك… جلسنا ثلاث ساعات نتحدث، ولا انكر ان الحذر كان يمشي في البداية بين الكلمات، ثم بدأ يسقط… جملة تلو جملة.

ضحكنا على مواقف قديمة كنا نبكي بسببها يومًا، وتألمنا على أشياء بدت فجأة أصغر من كل هذا الخراب الذي بنيناه حولها.

ثم قال لي بصوت لم أسمعه منه من قبل:
“حرام عليكي… أنا ما قصدتش… إنتِ بتقولي إني ممكن أكون سبب في قتل روح؟ ذنوبي كتير أوي… أنا عايز ربنا يغفرلي.”

تلك اللحظة كسرتني…ليس لأنني شعرت أنه مذنب…بل لأنني شعرت بثقل الخوف في صوته.

شعرت بإنسان يخاف أن يكون قد آذى دون قصد،
إنسان يحاسب نفسه أكثر مما حاسبته أنا، وفجأة… رأيته صغيرًا، ليس خصمًا، ليس سببًا لفقدي، بل يتعلم الحياة متأخرًا قليلًا… مثلي تمامًا.

ضحكنا مرة أخرى، نعم… ضحكنا، وهنا كان الوجع الحقيقي.

كيف نضحك على ما كان يكسرنا؟
كيف تمر السنوات فنكتشف أن بعض معاركنا لم تكن تستحق كل هذا النزيف؟

شعرت بحزن غريب، حزن على الأيام التي عشناها ونحن نحمل صورًا مشوهة عن بعضنا.

حزن على كلمة “خبيثة” التي سكنت أذني طويلًا، وعلى قلبي الذي كان يحتاج احتواء لا اتهام؛ لكن وسط هذا الحزن كان هناك نقاء، لحظة صدق نادرة، لا دفاع..لا تجميل..لا محاولة لإثبات براءة كاملة.

وفي داخلي، سمعت صوتًا هادئًا يقول لي:
“كفاية… تعبتِ من حمل هذا الوجع، حين قلت له في نهاية المكالمة: “أنا في ضهرك… وهساعدك… إنت زي إخواتي.”

لم أكن أتفضل عليه، لكنني أحرر نفسي، كنت أخلع عن قلبي عباءة ثقيلة لبستها طويلًا، أحيانًا نظن أن الغفران هدية نقدمها للآخرين؛ لكن الحقيقة أنه دواء نتناوله نحن.

لا أعرف لماذا اختار الله أن تأتي تلك الروح وترحل سريعًا، ولا أعرف لماذا حدث كل شيء بهذه الطريقة، لكنني بدأت أؤمن أن بعض الفقد يعلّمنا شيئًا أعمق من البقاء، يعلّمنا أن القلوب ليست سوداء كما نظن، وأن الناس يتغيرون.
وأننا نحن أيضًا نتغير.. الروح التي رحلت لن تعود، والأسئلة التي بلا إجابة ستظل بلا إجابة.

أدركت أن الأقدار لا تُفهم دائمًا… فقط تُسلَّم.
ربما لم يكن أهم ما حدث أننا تصالحنا، بل أنني تصالحت مع الله في داخلي، ومع فكرة أن الحياة لا تُدار بأصابعنا… بل بحكمةٍ أكبر منا.

أمس… لم أكسب فقط صديقًا جديدًا واخ ثالث، بل كسبت لحظة صفاء مع نفسي، لحظة نظرت فيها إلى الماضي دون أن أرتجف، لحظة صدق واحدة قادرة أن تعيد إنسانًا إلى إنسانيته.
وربما تعيدنا نحن إلى صفائنا الأول، 
ربما سيظل في القلب أثر، وربما ستبقى الذكرى موجعة؛ لكنها لم تعد سكينًا، صارت درسًا.
وصار هو… إنسانًا.
وأنا؟ صرت أخف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *